بيننا من يكتفي بشرب غرفة او غرفتين من حوض العلم ثم ينفض يده مسرعاً، ويحمل نفسه بعيداً عن ذلك الحوض الفيّاض، ويدعي زوراً انه شرب من الحكمة حتى ارتوى، بحيث لن يظمأ بعد ذلك ابداً!! ألحّت علي هذه الافكار اثناء متابعتي لبرنامج تلفزيوني عرضته احدى الفضائيات، واستضافت من خلاله مجموعة من السيدات، كان من بينهن استاذة جامعية أبت الا ان تقف الموقف الخاطيء، ليس من الناحية الفكرية فهذا شأنها، وإنما اختارت كذلك الاسلوب الخاطيء في التعبير عن افكارها التي بدت غير مترابطة او متجانسة، ولا يجمعها الا شيء واحد هو الرغبة في انتقاص الفكر المقابل لها الذي تمثله ثلاث سيدات شاركنها البرنامج!! فلقد اعتمدت هذه السيدة سياسة الهجوم دون ان يهاجمها احد!! متجاوبة في ذلك مع النظرية الدفاعية الشهيرة التي تفترض ان خير وسيلة للدفاع هي الهجوم. وهو ما افقد هذه الاستاذة الجامعية الوقار الذي كان حرياً ان تتصف به وهي تحمل تلك الدرجة العلمية الرفيعة، ولكن! ماذا نقول والبعض يرى ان افضل طريقة لتصفية الحسابات هي ان يركب موجة العنف اللفظي، والتجريح في الخطاب لكي يوجهه لمخالفيه في الرأي!! ان إشاعة اجواء مكهربة عالية التوتر لا يفيد الحقيقة بشيء، ولا يصب في مصلحة البرنامج الذي كان متوقعاً للقائمين عليه ان يحرصوا على تحقيق اهداف الحلقة التلفزيونية بعيداً عن المزايدات التي يحلو للبعض ان يجعلها اسلوبه الوحيد في التعامل مع الافكار المطروحة في البرامج الحوارية. لقد تذكرت في هذا الجو المشحون بالروح العدائية قول ذلك الشاعر الحكيم: واذا تشاجر في فؤادك مرة امران فاعمد للاعفّ الاجمل فقلت في نفسي: اين هو الاعف والاجمل في هذا الاستعراض الساذج للموقف الفكري المبسوط على مائدة البحث والحوار. واللافت في مثل هؤلاء الضيوف انهم يعكسون حالة من الهزيمة النفسية تجاه الفكر المخالف لهم وهو ما يعتبر كافيا للتشكيك بجدارتهم في التعامل مع الاختلاف الفكري من جهة، ومن جهة ثانية يعتبر سبباً لتوقع فشل الحوار في تقديم صورة نزيهة لأحكامهم على خصومهم في الرأي ان كان يوجد في محيط الاراء خصوم واعداء. وهو ما يجعل الهوة شاسعة والمسافة هائلة بين الصورة الماثلة امام المشاهد وبين النموذج المطلوب، حيث كان الحق والانصاف يقتضي استثمار اللقاء المفتوح بين التيارات الفكرية للاصغاء الى ما لدى كل فريق منهم، وهو ما كان متاحاً في مثل تلك البرامج، ولكن لم يتم تجسيده او العمل به مع الاسف الشديد! ان سياسة اقصاء الفكر الآخر سياسة عقيمة وبائدة، ولو تبناها اساتذة الجامعة والاكاديميون فعلى الدنيا السلام. وتحضرني هنا كلمة ناقدة قالها الامام الشافعي رحمه الله، ولخص فيها الموقف الفكري القادر على اداء دوره الريادي في النهضة بالامة والصعود بها حين قال: «ما كابرني احد على الحق ولا دافع، الا سقط من عيني، ولا قبله الا هبته واعتقدت مودته» وبهذا فوّت عالم بحجم الشافعي الفرصة على المتعصبين المنغلقين الذين لا يريدون لخصومهم ان يبقوا تحت الشمس حتى ولو كان الحق معهم. اخيرا اقول: ان شجرة المعرفة لابد لها ان تثمر وتزهر، وشجرة الجهل لابد لها ان تحترق باحتراق اصحابها، وافول نجمهم الذي لن يسطع يوماً في سمائنا، ولن يكون له تربة في ارضنا. صدقا ايها الاعلاميون افتحوا نافذة ليكتشف الناس الحقائق بأنفسهم بعيداً عن المزايدات على قضايا عامة وموضوعات بالغة الحساسية، فتساهموا من حيث تشعرون او لا تشعرون في الرجوع بالمجتمع اميالا الى الوراء في الوقت الذي نراهن فيه على الزمن والموارد البشرية من اجل اقتحام المستقبل بصورة اكثر انتماء للحقيقة واقترابا منها.