لا أدري لماذا ارتبط فصل الصيف في بلادنا بموسم الهجرة؟ ولماذا أصبح القيظ مرادفاً لحزم الحقائب والتجوال في بلاد الله الواسعة الباردة منها والمثلجة وأحيانا الحارة، التي لا تختلف الاجواء فيها صيفا عن اجوائنا رغم ان السمة السائدة لمعظم الدول حتى الأوروبية هي الحر ولا نستغنى فيها عن أجهزة التكييف التي يبدو انها اصبحت صفة ملازمة لحياتنا. وبعيدا عما يلاقيه ربعنا من متاعب وصعوبات وهم يهيمون على وجوههم في شرق الكرة الارضية وغربها وبعيدا ايضا عن المقالب التي يشربونها على أيدي بعض مواطني تلك الدول وبعيدا كذلك عن حالات النصب والابتزاز التي يتعرضون لها فان صيف بلادنا ليس بهذا السوء يا جماعة، بل شخصيا أراه جميلا وفيه من المتعة الكثير لدرجة تجعلني اعشق البقاء في ربوع البلاد في هذا الوقت تحديدا، وان صادف وتواجدت خارجها فاني افتقد صيفها كثيرا وأتوق الى كل شيء فيه وسرعان ما يشدني الحنين الى احضانها، وان حدث ولم اتمكن لظرف ما من العودة فان الاحساس الذي يتملكني هو انني خسرت الكثير وفاتني الكثير من الجماليات الخاصة بهذا الفصل حتى درجة الحرارة العالية للجو.. افتقدها. واتساءل.. لماذا يرتبط اسم هذا الفصل بالهجرة والكسل وتأجيل الأعمال ووقف المصالح؟ ولماذا أدمن الكثيرون منا السفر في الصيف رغم انهم أحيانا يرجعون ولم تتحقق لهم ولا فائدة واحدة من الفوائد السبع للسفر؟. فهناك من الناس من يسافر لمجرد السفر أو لمجاراة الآخرين في عادة هي ليست غريبة على مجتمعنا فأهلنا كانوا يسافرون ويترحلون في القيظ الى النخل والى الواحات في الداخل او الى المزارع في الدول المجاورة، وكانوا يعودون محملين بالهدايا والصوغة وذكريات جميلة عن نهارات الصيف ولياليه التي قضوها في أحضان الطبيعة. اما اليوم فقد تغيرت الأهداف واختلفت المعاني في مفهوم السفر فما رأيكم في تجربة نخوضها حول تغيير انماط هذا السلوك الذي وان كان البعض قادراً عليه وتحمل تكاليفه ونفقاته فهناك الكثيرون يدفعون اشهراً من السنة ضريبة شهر واحد قضوه في الخارج يعلم الله كيف كانت أيامه. ترى ماذا وقد هلت علينا البشائر من اشجار النخيل التي لا يخلو منها اي بيت لو بقينا في البلاد نرتقب موعد خرف الرطب الذي تابعناه «طلعا» ثم تحول الى «حبابو» فأصبح «خلالا» واليوم «بسرا» وغدا «جارين» حيث يكتمل النضج. فها هو «النغال» الذي يمثل الابن البكر للرطب قد أعلن ولادته ويبشرنا اننا على موعد جميل مع مهرجان للرطب في كل بقعة من بقاع بلادنا فأينما حطت الأقدام ترتفع الانظار لتجد أنواعا من الرطب الحلو ذي الطعم اللذيذ واللون البهيج. فالخنيزي والرطيبي والخضراوي واليبري والخلاص والبرحي وبومعان والفرض وأنواع «الهمبا» التي تأتينا من الساحل الشرقي، وأماكن اخرى متعددة داخل الدولة أو حتى المناطق القريبة اضافة الى شتى أنواع الموالح والحمضيات التي لا تتوفر الا عندنا وفي هذا الصيف على وجه الخصوص سوف تفوت الكثيرين من محبي السفر والهجرة صيفا.. فهلا قررنا البقاء وقمنا بتنظيم رحلات داخلية الى سهول ووديان الوطن ومزارعها؟