هل أنصف التاريخ حاكم مصر المملوكي الشهير «قراقوش» ام تجنّى عليه عندما وضعه على رأس قائمة الحكام ذوي المزاج المتقلب والاحكام المتعسفة العجيبة حتى ضرب به المثل؟ سوف نؤجل الاجابة عن هذا السؤال قليلاً، ونبحر مع المؤلف (غي بريتون) في كتابه «ملوك وعشيقات.. الحب الذي صنع التاريخ» وهو يؤرخ لعدد من النساء اللواتي لعبن ادواراً مهمة في البلاط الملكي الفرنسي، ويكشف ـ من خلال تصرفاتهن وسلوكهن ـ الحياة السياسية الفرنسية وعلاقة ملوك فرنسا بالغرب والشرق معاً مقدماً وجوهاً من التاريخ الفرنسي والانجليزي ومظاهر الاقطاعيات، ومشهديات تتويج الملوك والامراء وتكريمهم، وحالات الحروب والبطولة والشجاعة والنذالة والهروب والخسة. يقول المؤلف انه في عام 1294 كان ملك فرنسا فيليب الملقب بـ «فيليب الجميل» يمر باضطرابات مزعجة من الناحية المالية، وبما انه من المستحيل زيادة الضرائب القائمة او استحداث ضرائب جديدة على الشعب، فقد كان القانون العشائري دقيقاً جداً في هذه الناحية، اصبح من الواجب اتخاذ قرار بتقليص المخصصات الحياتية، اي التقشف. وقد اثر ذلك كثيراً في زوجته الملكة «جين» التي اعتادت اقتناء الألبسة الفاخرة والجواهر النفيسة والمنسوجات الغالية وأكل الحلويات اللذيذة، وقد اشتكت للملك قائلة: لماذا تجعلني اتقشف وأقلل تكاليف حياتي وحدي فقط، بينما تبقى كل نساء المملكة كما كن في الماضي، يتأنقن ويتغذين حسب أذواقهن؟ ان هذا غير محتمل. هكذا ابدت الملكة عدم رضاها عن قرار الملك الذي وجّه اليها نظرة ثاقبة قائلاً: سيكون المثل اقوى ـ يا سيدتي ـ فيما لو اتى من الاعلى، فكل نساء فرنسا سيعملن منذ الغد للتعرف على مدى تضحيتك وزهدك، وستقلدك نساء المملكة قاطبة في هذا المجال، وسيقتصدن في نفقاتهن حتماً. اذا كان هذا هو الهدف ـ قالت الملكة ـ فقم باصدار قانون لهذه الغاية، فأنا اعرف ومتأكدة من ان نساء المملكة يقلدنني في اناقتي الفائقة، ولكنهن لن يقلدنني في انقاصها. انني لا أريد أن أظل وحدي ألبس لباس الفقر. واذا كانت الخزانة الملكية تشكو من العسر فلتصب كل نساء المملكة لا أنا وحدي. قالت ذلك ثم دخلت جناحها. وبعد أيام قليلة أصدر «فيليب الجميل» قانونه الشهير المتعلق بالاقتصاد في النفقات، وقد هدف الى تنظيم سيرة الحياة لدى كل فرد في المملكة من أعلى رتبة دينية الى أدنى شخص عادي. لقد حدد القانون كمية وأصناف الاكل التي يمكن وضعها على الطاولات، وعدد الألبسة التي يحق لكل واحد او واحدة حيازتها سنوياً، والثمن الذي يوضع لها وأوصافها وصناعتها ونوعيتها. كان القانون يمنع ان يقدم على العشاء، وهو الوجبة الرئيسية في ذلك الوقت، أكثر من نوعين من الاكل مع شوربة لحم الخنزير. وعلى الغداء الذي كان يسمى الطعام الصغير او الاكلة الصغيرة، نوع واحد فقط من اللحم او قطعة سمك ومقبلات. اما المادة الثانية من القانون فتحدد اللباس، فالدوقات والكونتات والبارونات اللواتي لديهن اكثر من ستة آلاف ليرة من دخل الارض يمكن ان يكون لكل واحدة منهن اربعة اثواب في العام (وكذلك بالنسبة لازواجهن) بينما لا يحق للرهبان والفرسان ان يكون لديهم اكثر من ثوبين، اما السيدات والآنسات اللواتي لديهن اقل من الف ليرة من دخل الارض فلا يمكنهن شراء اكثر من ثوب واحد، كما لا يمكنهن ان يكن صاحبات قصور. وتمنع المادة الرابعة على البورجوازيين (ويقصد بهم هنا الصنّاع والتجار) ان يكون لديهم عربات، وتقضي بأن لا يرافقهم في الليل الاعوان مع الشموع، وان لا يلبسوا جلد السمّور (وهو حيوان بري يشبه ابن عرس تتخذ من جلده فراء) او يضعوا الذهب والحجارة الثمينة على صدورهم. ولأن القانون لم يقم بتحديد نوع الاحذية التي يلبسها الناس فقد اخذ مواطنو المملكة يبحثون عن اظهار رفاهيتهم وغناهم من خلال احذيتهم، ولذلك ظهر نوع من الاحذية الغريبة كان يصنعها شخص يدعى «بولين» واصبح هذا النوع هو اللباس الشائع. وكان عبارة عن حذاء طوله حسب صفات الشخص الذي يلبسه. ويبدو ان البولين قد تأثر بقانون «فيليب الجميل» فكان بطول قدمين للأحرار والسادة وعلية القوم، وبطول قدم للأغنياء، ونصف قدم للعوام. وقد زينت الاحذية بالقرون والاظلاف، وبالوجوه الغريبة التي اثارت انتباه رجال الدين، وحاولوا منع هذا العمل ولكن دون جدوى، وقد وصفه بعضهم بالهرطقة.. لكن مواضيع اكثر اهمية شغلت الكنيسة. المهم ان هذا القانون الذي قصد الى منع تبهرج الناس باللباس والطعام شفى غليل الملكة «جين» وادخل السرور على قلبها وجعلها تضحك وتقول: هكذا يلبس الجميع ألبسة متشابهة، ولا يعود يمكن التفريق بين الواحد والاخر. الآن وبعد ان اطلعنا على هذا القانون «الفيليبي» العجيب، الا يجدر بنا ان نبادر الى ابراء ساحة القوانين «القراقوشية» المزعومة، وتبييض صفحة صاحبها بهاء الدين ابي سعيد المعروف بقراقوش، ذاك الذي نشأ في خدمة القائد الشهير صلاح الدين الايوبي وخاض معه المعارك وناب عنه في بعض المواقع، وبنى سور القاهرة وقلعة الجبل وقناطر الجيزة، واسندت اليه ولاية عكا بعد ان استردها صلاح الدين من الافرنج؟ الا يمكن ان تكون تلك الاحكام المتعسفة العجيبة التي ينسبها اليه العامة مجرد تعبير عن موقف لهم تجاه حكم المماليك ليتخذوا من قراقوش المعروف بحزمه شخصية يعزون اليها كل حكم جائر؟ وأخيراً نسأل: تُرى.. كم في عالمنا هذا من «قراقوشات» يفصّلون القوانين على مقاساتهم ويغيرون فيها حسب اهوائهم فلا يستطيع كائن من كان ان يحرّك ساكناً او يوقف متحركاً، ولا يجرؤ كاتب ان يخط عنهم حرفاً مما قاله «ابن مماتي» في كتابه «الفاشوش» عن حكم قراقوش؟ افيدونا يا اهل التاريخ افادكم الله.