فازت جبهة التحرير الوطنية الجزائرية بأغلبية مقاعد البرلمان (199 من مجموع 389 مقعداً) في الانتخابات البرلمانية التي شهدت، حضور ملاحظين دوليين أكدوا على نزاهتها بالرغم من مقاطعة منطقة القبائل لها وتدني نسبة مشاركة الناخبين (4609%). ومهما كانت نتائج الانتخابات التي اعادت جبهة التحرير الوطنية الى الحكم بعد ان ارغمت على تركه قبل 13 سنة نتيجة لحركة السخط والغليان الشعبي الذي ربط مأساة الجزائر بسنوات حكم جبهة التحرير الوطنية، الا ان الجبهة عادت اليوم بشكل جديد بعد ان عمل قادتها الجدد على تغيير النهج السياسي والانفتاح على الشباب وبضخ دماء جديدة في العمل السياسي ووجوه واعدة رأى فيها الشعب الجزائري الأمل الذي يمكن ان ينقذ الجزائر من المأساة الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها. كما استطاعت الجبهة، منذ سنة، ان تغير الصورة السيئة التي كان الشعب الجزائري يحملها عنها، بأنها السبب الرئيسي في فساد الجزائر، فقد تمكن أمينها العام علي بن فليس، ان يزيل العديد من الوجوه التي كانت محسوبة على العهد السابق، كما انه تمكن من استقطاب العديد من فئات الشباب بل حتى استقطاب عناصر من الحركة الاسلامية ومن التيارات السياسية، كما قدم برنامجاً طموحاً للعشرية المقبلة واكثر من ذلك ان الجبهة لا تزال تحمل ثقلاً تاريخياً فأصبح الشعب يعتقد بأن القديم هو الافضل للمستقبل خاصة ان التيارات السياسية القائمة لا تزال ضعيفة في برامجها ومعظمها تيارات تسلقية لا تهمها مصلحة الشعب اكثر ما تهمها مصالحها وظهر جلياً ذلك في البرلمان والحكومة السابقة. ومن هنا فإن عودة جبهة التحرير الوطنية الى الحكم قد أعادت توزيع الخارطة السياسية في الجزائر بحيث تكون ثلاثة تيارات سياسية هي التي سوف تدير الحياة السياسية: التيار الوطني بزعامة جبهة التحرير الوطنية، التيار الاسلامي بزعامة الاصلاح الوطني وحركة مجتمع السلم والتيار الديمقراطي الذي يضم العديد من التيارات كالتجمع الوطني الديمقراطي وحزب العمال الاشتراكي. ويلاحظ غياب الاحزاب ذات التوجه البربري عن الساحة السياسية لمقاطعتها الانتخابات الا ان غيابها لا يمكن ان يؤثر على الحياة السياسية لأنها احزاب جهوية لا تمثل الا مناطق محددة من مناطق الجزائر وحتى وان كانت شاركت في الانتخابات فإنه لا يمكن لها ان تحصل على عدد كبير من المناطق وذلك للمنافسة الكبيرة التي كان يمكن ان تلقاها من الاحزاب الكبيرة بتياراتها الوطنية والاسلامية ولكن على الرغم من ذلك فإن مشاركتها كانت ستدعم الحياة السياسية وتساعد الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة في مسعاه لاحلال السلم في الجزائر خاصة انه عبر في اكثر من مناسبة عن امنيته في ان تمد كل الاحزاب السياسية الكبيرة منها والصغيرة يدها لانقاذ الجزائر وهو ما جعله يوافق على ان تكون الامازيغية لغة وطنية الى جنب اللغة العربية في لفتة منه لامتصاص الغضب الشعبي بمنطقة القبائل، الا انه تبين ان مطالب الاحزاب البربرية لم تكن مطالب مشروعة كالاعتراف بالهوية البربرية وحل مشاكل المنطقة الاجتماعية والاقتصادية وهي ذات المشكلات التي يشترك فيه كل الشعب الجزائري بل ما اصبحت خيوطه مكشوفة هو ان الاحزاب البربرية تريد خلط الاوراق بتقديم مطالب غير واقعية وتمس بالهوية الجزائرية وبمستقبل الكيان الجزائري كالهجوم على العربية والاسلام والهوية التاريخية ويقود هذه الحملة الشرسة بعض القيادات في الاحزاب البربرية التي تقيم في عواصم اوروبية وهي متأثرة بالهوية الاوروبية وتريد ان تنسلخ الجزائر عن كيانها العربي والاسلامي بل ان من هذه القيادات البريرية من طالب بفصل منطقة القبائل عن الكيان الجزائري وهذه القيادات تبين انها تحمل حقداً دفيناً للتاريخ الجزائري لان عائلات هذه القيادات لم تشارك في حرب التحرير الجزائرية بل كان معظمها يعمل على ان تظل الجزائر تقبع تحت الاستعمار الفرنسي، ولذلك نلاحظ ان هذه الحملة المسعورة مركزها العواصم الاوروبية ومن هناك تدار الحملة على الجزائر واكثر من ذلك ان قيادات الاحزاب البربرية كحسين آيت احمد يقيم في جنيف وباريس، ولا تربطه اي صلة بالواقع الجزائري ولم يحصل ان عايش هموم الشعب الجزائري ومع ذلك فإنه يعمل على عرقلة اي مشروع للتسوية السلمية. فمهما كانت نتائج الانتخابات التي تعد مؤشراً على ان التجربة الديمقراطية في الجزائر بدأت تنضج، الا ان فوز جبهة التحرير الوطني هو انتصار لكل الاحزاب وانتصار للديمقراطية في الجزائر وقبل ذلك فإن الجزائر بحاجة الى كل ابنائها والى كل الاحزاب على ان يلتفوا على مشروع وطني موحد لاخراج الجزائر من الحالة المزرية التي تعيشها.. فجبهة التحرير سوف تختبر من قبل الشعب من جديد واي خطأ منها لن يتقبله الشعب هذه المرة، لذلك المطلوب من قيادة الجبهة استغلال الفرصة المتاحة إليها لتثبت انها جديرة بالقيادة، ومثلما تحملت قيادة الثورة وطردت الاستعمار بالأمس فإنها جديرة كذلك بحل مشكلاته.. كما ان على قيادة الجبهة ان تتعامل مع كل الاحزاب حتى الاحزاب الجهوية منها لان المشروع الوطني الذي يطرحه الرئيس الجزائري مشروع طموح يتعين على الجميع وضع بصماته فيه، فالعمل اليوم ليس للعمل السياسي حيث كل حزب يجري وراء مكاسب سياسية بل العمل هو من اجل مصلحة الجزائر التي بدأت العديد من الدول تتكالب عليها ولا تريد لها الخير لانها تعرف ما تمثله الجزائر في لعبة التوازنات الدولية وتعرف ما تحمله الجزائر من رصيد تاريخي تحسد عليه وتعرف ثقل الجزائر في البيئة العربية. ـ كاتب جزائري