بأسرع مماهو متوقع انكشفت اللعبة، وظهر للجميع ماحرص البعض على اخفائه، وتأكد أن (الاصلاح) الذي كان هدفا للفلسطينيين من سنوات لعلاج، أوجه القصور وتصحيح مسار السلطة وضمان انتصار المقاومة.. هو ـ بالضبط ـ عكس (الاصلاح) الذي تطالب به واشنطن ويضعه شارون شرطا لاستئناف المفاوضات التي لا يرجى منها أي خير في ظل الأوضاع الحالية. كان المفروض - كما أوضحنا في مقالات سابقة - هو خلط الأوراق، ورفع شعار (الاصلاح) ليتم من خلاله تمرير البرنامج الأميركي - الإسرائيلي لتحويل السلطة إلى مجرد جهاز أمن تكون مهمته الوحيدة حصار المقاومة الفلسطينية وضمان الهدوء حتى يتفرغ شارون لمهمته (المقدسة) في ابتلاع الضفة واستكمال تهويد القدس! وضمن الشعارات البراقة التي تم استخدامها في (العملية) كان شعار الفصل بين السلطات، وهو ما كانت تطالب به القوى الفلسطينية منذ سنوات بهدف محاصرة الفساد وسيادة حكم القانون، وبالفعل كانت أول خطوة خطاها عرفات بعد كارثة الاجتياح وماتلاها من تداعيات هو اصدار القانون الخاص باستقلال القضاء والذي كان جاهزا للاصدار منذ سنوات. وبعد أيام جاء الاختبار الأول مع قضية المناضل (أحمد سعدات) زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والمعتقل حاليا في سجن (أريحا) مع المناضلين الذين قاموا بعملية اغتيال وزير السياحة الاسرائيلي السابق رحبعام زائيفي والذين حاكمهم عرفات اثناء حصارهم معه في رام الله وصدرت بحقهم أحكام مختلفة ووضعوا في السجن مع (سعدات) ومع فؤاد الشبكي المسئول في مكتب عرفات والمتهم في قضية سفينة الأسلحة تحت حراسة بريطانية أميركية بموجب الاتفاق للافراج عن عرفات. (سعدات) معتقل ولم تصدر ضده أي أحكام رغم اتهام اسرائيل له بانه وراء اغتيال الوزير الاسرائيلي العنصري وعندما لجأ للقضاء طلبت المحكمة من السلطة تقديم مبرراتها لوضعه في الاعتقال، وقدمت السلطة مبرراتها التي لم تقنع المحكمة فأصدرت حكمها النهائي بالافراج عنه! وهنا نسي الجميع مبدأ فصل السلطات الذي كان - ومازال - محورا مهماً في عملية (الاصلاح) التي تشغل الساحة الفلسطينية صدقا أو كذبا. وأطلقت اسرائيل تهديداتها الوقحة ضد السلطة الفلسطينية مطالبة بعدم الافراج عن (سعدات)، وثار شارون وأكد انه سيعتقل سعدات أو يقتله، وبدأت جهود وسطاء الخير ورعاة السلام!! لتطويق الموقف، وأعلنت السلطة الفلسطينية انها لن تفرج عن سعدات مبررة ذلك بالحرص على حياته لأن الافراج عنه سيعرضه للاغتيال من جانب اسرائيل!! اننا هنا أمام موقف توالت فيه الاخطاء من جانب السلطة حتى وصلنا الى المأزق الحالي الذي يضع النضال الفلسطيني كله في مفترق الطرق حيث تتزايد الضغوط لابتزاز القيادة الفلسطينية مستغلة اخطاءها، وينفك التحالف الذي فرضته الانتفاضة على كل الفصائل الوطنية، ويطلق الجميع كلمة (الاصلاح) هروبا من الواقع أو استغلالا للموقف®. وكل فريق في الداخل والخارج بدءا من الجهاد وحماس وكتائب شهداء الأقصى وحتى أميركا واسرائيل يريد (الاصلاح الفلسطيني) الذي يناسبه ويلبي مطالبه®. وماأبعد المسافة بين اصلاح من أجل المقاومة، واصلاح من أجل القضاء على المقاومة. من البداية®. كان القبض على أحمد سعدات خطأ وقعت فيه السلطة. فالرجل الذي تسلم قيادة الجبهة الشعبية بعد اغتيال اسرائيل لقائدها السابق أبوعلي مصطفى لم توجه له السلطات الفلسطينية أي اتهام، بل قالت انه في (ضيافة) أبوعمار حتى لا يتم اغتياله بعد أن ثأر المناضلون في الجبهة لاغتيال أبوعلي مصطفى بقتل العنصري القبيح رحبعام زئيفي وزير السياحة الإسرائيلي. كان اعتقال (سعدات) يعني التسليم بحق إسرائيل في اغتيال القيادات الفلسطينية التي تمارس العمل السياسي وتجريم الرد الفلسطيني على ذلك وكأن الدم العربي بلا ثمن و(الحق) الاسرائيلي في القتل وارتكاب المذابح حق مشروع لابد من التسليم به إذا أردنا لمسيرة (سلام الشجعان) أن تستمر! ثم كان المأزق حين حوصر عرفات في رام الله، ومعه الذين (استضافهم) مع سعدات، وهم (المتهمون) الأربعة باغتيال وزير السياحة الإسرائيلي السابق، ومعاونه الشوبكي (المتهم!) في قضية سفينة الأسلحة. وكان الخطأ الآخر حين وافق عرفات على صفقة رفع الحصار عنه والتي كان أحد بنودها الرئيسية وضع سعدات والشوبكي والمناضلين الأربعة الذين حوكموا تحت الحصار في مقر عرفات وصدرت عليهم أحكام مختلفة بتهمة اغتيال رحبعام زئيفي. كان مشهدا بائسا أن يحاكم عرفات وهو تحت الحصار الاسرائيلي المحاصرين معه، وأن تصدر الأحكام في دقائق، وأن تكون الأحكام شهادة إدانة للمقاومة الفلسطينية تجردها من حقها في الثأر لشهدائها وتضع القيود على حركتها في معركة تحرير الأرض. وكان خطأ مأساويا أن تكون الصفقة بعد ذلك أن يوضع الأربعة المحكومون ومعهم سعدات والشوبكي في سجن أريحا تحت الحراسة الأميركية البريطانية. وكان المبرر هو ضمان سلامتهم فالسلطة التي اعتقلتهم لا تستطيع حمايتهم®. وهو مبرر يمكن مناقشته لو أجابت السلطة على التساؤل المرير: ولماذا اعتقلتموهم من البداية اذا كنتم عاجزين عن حمايتهم؟ ولماذا تكرر ذلك في واقعة المعتقلين من المناضلين الذين سلمهم قادة الأمن الوقائي في الضفة للإسرائيليين والتي يتبادل جبريل الرجوب ومحمد دحلان المسئولية عنها؟! والآن.. نأتي الى خطأ الوقوع في الابتزاز الاسرائيلي، واهدار احكام السلطة القضائية الاعلى بالافراج عن سعدات الذي لم توجه له أي اتهامات حقيقية®. ان ذلك يعني في واقع الأمر الغاء القانون الذي صدر قبل أيام باستقلال القضاء، ويعني أن الحديث عن فصل السلطات هو حديث مقبول اذا كان يعني وضع الأجهزة الأمنية تحت اشراف المخابرات الأميركية وفي خدمة الأمن الاسرائيلي، ولكنه مرفوض بالثلاثة اذا كان يعني قضاء مستقلا يوفر الحماية للمواطنين في مواجهة السلطة التنفيذية وأجهزة الأمن من جهة®. وفي مواجهة الاحتلال الاسرائيلي من جهة أخرى. والأسوأ من بقاء سعدات - رغم حكم القضاء - في ضيافة السجانين الأميركيين والبريطانيين بعد ان كان في ضيافة عرفات®. وهو المبرر الذي يقال من أن ذلك يحدث لحمايته من اغتيال اسرائيلي أكيد له اذا تم الافراج عنه!! إن هذا المبرر يعني تسليم السلطة بالحق الاسرائيلي في وضع قوائم المطلوبين الفلسطينيين فلا يكون مصيرهم الا الاغتيال مثلما حدث للعشرات من الكوادر المناضلة من كافة الفصائل، أو البقاء في سجون السلطة كما يحدث مع سعدات ورفاقه، أو التعذيب في سجون ومعتقلات اسرائيل كما يحدث مع مروان البرغوثي وآلاف الشبان الفلسطينيين الذين يسكت العالم على مايحدث لهم، ولا يرتفع صوت السلطة بأن الافراج عنهم شرط لأي تحرك سياسي يستهدف الحل المقبول. اننا نتفهم حقيقة عجز السلطة عن حماية مواطنيها في مواجهة آلة عسكرية اسرائيلية متوحشة وتواطؤ أميركي فاحش وصمت عربي رسمي مريب. ولكن مواجهة ذلك لا تكون بقبول منطق القوة الذي يفرضه شارون، وتقديم التنازلات تلو التنازلات، واضفاء الشرعية على مطالب الاحتلال. هذه السياسة هي السبب الأساسي للمأزق الذي تعيشه حركة النضال الوطني في فلسطين المجاهدة فالسلطة التي جاءت باتفاقات أوسلو تصرفت بمنهج أن المعركة انتهت و(سلام الشجعان) وصل، والمسألة مسألة وقت واتفاق على التفاصيل بينما على الجانب الآخر كان هناك عدو يخطط لكي تكون أوسلو هي مصيدة المناضلين ونهاية المقاومة، ومن ثم فرض الأمر الواقع الاسرائيلي. لقد كانت النتيجة أن تبادل الطرفان المواقع: ـ قوات الاحتلال ظلت ترسخ احتلالها، والاستيطان يتوسع، والضفة يتم تقطيع أوصالها، والسيطرة على مقدرات الشعب الفلسطيني تزداد، وربط الكيان الفلسطيني بالدولة الصهيونية يتجذر®. وعلى الجانب الآخر كانت السلطة تتنازل عن أوراقها وتلقى السلاح قبل حسم المعركة. ـ اسرائيل تفرض الأمر الواقع بالقوة، بينما تنشغل السلطة بصراعات النفوذ ومشاريع الخلافة، وتتوه في أروقة المفاوضات العلنية والسرية حتى اصبح مستحيلا حصر أطقم التفاوض التي يجري الهاؤها ضمن مخطط يجعل التفاوض في حد ذاته هدفا وليس وسيلة. ـ تجئ الانتفاضة بكل عنفوانها فلا تحسن القيادة التعامل معها، وينتهي الأمر بتراجعها حتى قبل الاجتياح الاسرائيلي، ثم بانتكاستها مع المذابح البربرية التي ترتكبها اسرائيل والاخطاء الفادحة في التعامل الفلسطيني مع انتفاضة كان لابد أن تفرض كلمتها على الجميع بمن فيهم القيادة الفلسطينية ذاتها التي رفضت ترجمة الانتفاضة إلى حركة تتجاوز أوسلو وتفرض الاستقلال ورفضت ترجمة التحالف الذي قاد الانتفاضة الى جبهة تقود الحكم - وانتهت بادانة المقاومة واعتبار العمليات الاستشهادية ارهابا. في المقابل كانت اسرائيل تقود معركتها بشراسة، وتحدد أهدافها بدقة، وتدرك أن ضرب المقاومة هو طريقها لفرض الأمر الواقع. وداس شارون على كل الاتفاقات وتجاوز كل المحاذير، وانطلق من نقطة أساسية وهي انه جاء ليستكمل ما اسماه (حرب الاستقلال) أي حرب 48 في اشارة الى ان حدود الدولة التي لم يتم تحديدها حتى الآن سيتم توسيعها بضم الضفة، وربما بطرد سكانها. ـ وهكذا نسف شارون الطرق الى التفاوض ووضع شروطه المستحيلة لاستئناف ملهاة (سلام الشجعان) ثم استغل أحداث 11 سبتمبر وموقف الإدارة الاميركية المتواطئ ليكون رده على مبادرة قمة بيروت هو الاجتياح للاراضي الفلسطينية والمذابح التي فاقت في حقارتها ماارتكبته النازية. وامتلك زمام الموقف بينما عرفات تحت الحصار، والسلطة الفلسطينية تنهار، وأجهزة الأمن تقاتل في صفوف المقاومة بينما قياداتها تبرم الاتفاقات المشبوهة وتتصارع على خلافة عرفات أو تقاسم النفوذ والأسلوب. وتتوالى الأحداث، وتتوالى التنازلات التي تقدمها السلطة في محاولة لتجاوز المحنة، وكلما تنازلت السلطة زادت محاولات الابتزاز وتضاعفت الشروط التي تطلبها واشنطن أو يطلبها شارون بوقاحة لم تعد مستغربة من سفاح اعتبره رئيس أميركا رجل السلام الاول في المنطقة. وربما في العالم. وينتهي الأمر بموقف غريب®. مروان البرغوثي في السجون الاسرائيلية يتعرض للتعذيب مع الآلاف من الشباب الفلسطيني والجميع يرى ويسمع ثم يصمت، وأحمد سعدات في السجون الفلسطينية!! تحت حراسة السجانين الأميركيين والبريطانيين والسلطة الفلسطينية ترفض تنفيذ حكم القضاء بالافراج عنه، وفي نفس اليوم تعلن اسرائيل منح أوسمة للضباط والجنود الاسرائيليين الذين قاموا بمذبحة (جنين) تقديرا لـ (الأعمال الشجاعة) التي قاموا بها!! القتل هنا مشروع، والمذابح تستحق الأوسمة. والمقاومة هنا ممنوعة، ومن يفكر فيها مصيره الاغتيال أو السجون الاسرائيلية®. أو الفلسطينية! والأبرياء بحكم القضاء، مدانون لدى اسرائيل ومحتجزون لدى أميركا وبريطانيا!! ثم نتحدث بعد ذلك عن المفاوضات!! فأي تفاوض هذا الذي يتم في ظل هذه الظروف؟ وهل يمكن أن يحصل الفلسطينيون على شئ والمقاومة تحت التصفية، والمقاومون في السجون، والسفاحون يحصلون على الأوسمة في اسرائيل، وفصائل المقاومة الفلسطينية محاصرة، زعماء الامن الفلسطيني يتبادلون اتهامات الخيانة على صفحات الجرائد وعلى شاشات التلفزيون! قد يكون هذا هو الطريق الى (التسوية) كما يراها البعض، ولكنه لا يمكن ان يكون الطريق لتحرير الأرض والاستقلال الحقيقي الذي لا يمكن ان يتحقق الا بالعودة لمنطق المقاومة، نعم®. نتفاوض ونبحث عن الحل السياسي ولكن دون أن نلقى السلاح، ودون أن تتوقف المقاومة، وبيقين واحد: اننا لن نحصل في المفاوضات الا بقدر ماتحققه مقاومتنا للاحتلال على الأرض. المطلوب الآن - وبرغم كل مايحدث - اعلاء سلطة المقاومة التي ترفض أن تكون مقاومتها ارهابا، وترفض ان تلقى السلاح قبل تحرير الأرض، وتفاوض فقط على شروط انهاء الاحتلال وتصر على ان غياب العدل لا يبيح الاقرار بانتصار النازيين الاسرائيليين ولا القبول بشروطهم بل تجعل من المقاومة هي الخيار الوحيد®. كما كان الأمر مع كل احتلال استعماري على مر التاريخ. نعم سلطة المقاومة هي الحل، وكل طريق لا يؤدي اليها لن يكون مصيره الا الفشل، وكل حديث عن تسوية في غيابها هو تزوير للواقع وتدمير للمستقبل واهانة للشهداء. ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية