العالم كله مصاب بحمى كأس العالم لكرة القدم، وأميركا وحدها مع (اسرائيل) في وادٍ آخر مصابتان بحمى الارهاب، بوش ينام ويصحو على تقارير تضخ له كل لحظة خبراً مختلفاً ومعلومة جديدة (يقولون انها معلومات جديدة) عن العقول الارهابية التي خططت لتفجيرات 11 سبتمبر، وآخر التقارير ان (محمد عطا) أحد أبرز الخاطفين كان قد تقدم بطلب قرض لشراء طائرة من وزارة الزراعة الأميركية! العالم كله يفكر في حل مشاكله التي لا تنتهي: الحروب، المجاعات، التلوث، الأمراض المستعصية، الجهل، الفقر، عمالة الاطفال، تجارة المخدرات، الادمان، صناعة الأسلحة الذرية والكيميائية، الاقليات، حروب وحركات التحرر، التمييز العنصري، انتهاكات حقوق الانسان، الضرائب، وسيل لا نهاية له من الأزمات والمشاكل، بينما تنحصر مشكلة الأميركان في مكافحة الارهاب، والبحث عن الارهابيين والقضاء على شبكات الارهاب أينما كانت، خاصة في دول محور الشر التي تغذي الارهاب وتؤويه وتموله! كنا نحن العرب، أمة مصابة بلوثة السياسة ومتابعة أخبارها منذ الفجر حتى ما قبل النوم، كنا أمة سياسية ـ وما زلنا ـ منذ فنجان قهوة الصباح، لقد صار الأميركان الذين لم يكونوا يعلمون بما يحدث في المنزل المجاور لهم يقرأون الصحف اكثر من أي شعب آخر، ويتسقطون أخبار السياسة اكثر منا، ويتابعون حركات بوش وطاقم ادارته اكثر مما يتابعون افلام هوليوود وبورصة (وول ستريت)، مساكين الاميركان صاروا ينامون على الارهاب ويصبحون على خبر جديد عنه، وفقد متعتي الهدوء والأمن اللتين نعموا بهما دهوراً طويلة! الامن هو النعمة الكبرى التي لا يشعر بها الا من فقدها أو افتقدها وهي من نعم الخالق التي يمتن بها على مخلوقاته قائلاً «فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف» وحينما يعاقب سبحانه قوماً أو أمة يسلبهم الامن ويبدلهم عنه خوفاً ليعرفوا حق الله عليهم، يقول سبحانه: «ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات» صدق الله العظيم. ولقد زرت الولايات المتحدة كثير في فترة التسعينيات، ولمست مقدار الأمن الذي كانوا ينعمون به، ولندع جانبا بعض الاحياء والمناطق المعروفة بارتفاع الجريمة والمخدرات فهذه لم تكن القاعدة وانما افراز واقع اقتصادي اجتماعي معين، لكن السائد أن أميركا والأميركيين كانوا وطناً آمنا هادئا وكانوا أمة مسالمة أقرب للبراءة في تعاملاتها ونظرتها للعالم الخارجي ومن هنا تحولت الى وطن استوعب الجميع بدون قيود أو تعقيدات على الهجرة والتعليم والعمل لكن أحداث 11 سبتمبر افقدت أميركا أمنها وافقدت الأميركان براءتهم، وما عاد من الممكن ان تعود الامور كما كانت ابداً. أميركا مهووسة بالبحث عن كل ما يمكن ان يعيد اليها أمنها، ويجنبها أي هجوم آخر كالذي عاشت كابوسه يوم 11 سبتمبر، ومن هنا كان الترحيب الكبير الذي لقيته مبادرة الرئيس جورج دبليو بوش بانشاء وزارة جديدة للأمن القومي (الداخلي) ومكافحة الارهاب ضمن اصلاحات حكومية جذرية تقدمها ادارته في اطار لهاثها المحموم على المسار ذاته: مكافحة الارهاب. ولأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة منذ زمن طويل يحدث فيه تغيير بهذا الحجم، فنحن لا نتحدث عن غواتيمالا أو فنزويلا أو أي دولة عربية معتادة على التغيير في هياكلها الهشة، نحن نتحدث عن نظام مستقر قوي مؤسس على قوائم صلبة في ظل آلة رهيبة تعمل من تلقاء نفسها وتحمي هذه الدول العظمى، انه الدستور الأميركي العريق ومؤسسات الدولة الديمقراطية، أما وان تستحدث أميركا وزارة تضاهي وزارة الدفاع الأميركية العملاقة لمواجهة أخطار وتهديدات ارهابية محتملة فهذا ليس بالأمر البسيط. ليس بالأمر البسيط لأن ميزانية هذه الوزارة التي سمي مديرها بالأمس (توم ريدج) تبلغ 37 مليار دولار، وعدد موظفيها 170 ألف موظف، وتستوعب جهاز أمن الرئاسة وهيئة الجمارك، وخفر السواحل، وادارة الهجرة والجنسية، وحرس الحدود وهيئة ادارة أزمات الطوارئ الفيدرالية، وهذه الوزارة سوف تدعمها 100 هيئة حكومية، هذا الاصلاح الخطير وصفه الرئيس بوش نفسه قبل أن تصفه وسائل الاعلام بأنه الأخطر والأكثر شمولاً منذ واجهت أميركا في عهد الرئيس (هاري ترومان) الحرب الباردة عام 1947. وفي ظل هذا التغيير الكبير ستنتصر أصولية الأمن على كل الأصوليات في أميركا، وستضرب أميركا بيد وزارة الأمن الداخلي العالم كله بيد من حديد تحت مقولة بوش (أميركا تقود العالم المتحضر في نضال هائل ضد الارهاب) ولا عزاء لغير المتحضرين بين دول محور الشر، لأنه كما قال بوش (الحرية في حرب ضد الخوف، والحرية ستنتصر حتما)، بوش لم يضع في حساباته ابداً قوانين الله والسماء وتلك مشكلة أميركا وليست مشكلتنا، لكنها في النهاية تحلها بطريقتها البراغماتية المبنية على نظرية القوة والمادة والانتصار للأعظم!!