كما تأخر زيدان الفرنسي عن الملعب الكوري، لم يظهر زيدان فلسطيني في الموعد المقرر عند مفترق مجدو. غياب الزيدانين العربيين حَفِل بحضور مميز في بؤرة الأضواء. لا يزال فخذ زيدان اللاعب يثير قلق الفرنسيين الذين أصبحوا يراهنون الآن فقط على البقاء حتى الدور الثاني بدلاً من الاحتفاظ بكأس العالم. الفلسطينيون غير قلقين على زيدانهم وهو قيد الاعتقال. رُعب الإسرائيليين دفعهم إلى ترويج اعترافات نسبوها إلى الفتى الاستشهادي الذي لم يُكمل عقده الثاني. في ظل القلق والرعب زار وزير الدفاع الإسرائيلي استشهاديين اثنين من زملاء زيدان في محبسهما. لقاء بن اليعازر مع غسان وعرين، مثل اعترافات زيدان المزعومة يصب في قناة الدعاية الرخيصة والحرب النفسية ويعكس بؤس الفكر الصهيوني. اعتبار الوزير الإسرائيلي الاستشهاديين سلاحاً رخيصاً يفضح قيمة الإنسان في دولة الاحتلال التوراتية. صحيحٌ أن الدولة الاشتراكية خرجت من ميدان المنافسة الدولية، غير أن إحدى القيم الإنسانية التي لا خلاف عليها، تمثل في «الإنسان أغلى رأسمال». ربما كان التناقض بين الدولة والثورة إزاء هذه القيمة أحد أبرز عناصر انهيار الكتلة الشرقية أمام المعسكر الغربي على نحو يشابه انهيار السعودية أمام ألمانيا. الاستشهاديون يُجسدون قيمة سياسية وأخلاقية وإسلامية ووطنية تستدعي التأمل مثلما هي تستوجب الاحترام وربما التشجيع. ثمة مباراة مفتوحة في الزمن والخطط بين المقاومة والاحتلال. إنها لُعبة الموت الشريف والحياة الكريمة مقابل القمع والاستسلام. من يذهب إلى الموت الحتمي واثق الخطوة، لا يُمكن أن يكون غرّاً عرّاً غير مُدرك المصير الذي يمشي إليه. ولا يمكن ان يراهن على عودة ظافرة، ومن ثم ينتظر عائداً مادياً. من يقتنع بالموت الطوعي لا يمكن أن يكون غفلاً تنطوي عليه عمليات غسل الدماغ. في ظل الاحتلال تستحدث المقاومة الوطنية أساليبها وأسلحتها وفق ظروفها وإمكاناتها المتاحة. اللاعبون هنا يسجّلون أهدافاً فردية من أجل الخلاص الجماعي. تجريد العمليات الاستشهادية من الأخلاقية يفتقد إلى النسق الأدنى من المنطق. فمن ذا الذي يمنح الاحتلال على عتبة القرن الحادي والعشرين شهادة أخلاقية فتُصبح مقاومته عملاً غير أخلاقي؟ ماكينة الدعاية الصهيونية تعمد إلى تشويه صورة الاستشهاديين في محاولة مُغرضة للتغطية على عجز المؤسسة العسكرية في وقف أو كبح نزيف الاستشهاديين. وزير الدفاع يعترف علناً بالعجز الفاضح. في مقاومة الاحتلال، لا فرق بين الجندي والمستوطن. تلك فرية، جميعهم يلعب ضد الأرض والشعب. دماء المدنيين في دولة الاحتلال ليست أطهر من دماء العسكريين. ليست العمليات وحدها التي تُقلق دولة الاحتلال، إنما كذلك تلك القدرة المهولة على استنباط الخطط وتنويع الأداء والوصول إلى الأهداف بطريقة السهل الممتنع. من يتأمل أداء الاستشهاديين، يرصد حتماً ذلك التطور النوعي في طبيعة العمليات وإنجازها. أولى سمات لعبة الموت الطوعي أن منفّذيها شباب تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والثامنة والعشرين. اللاعبون الأوائل كانوا يتمنطقون الأحزمة الناسفة في مظهرهم المألوف. حين ركّزت أجهزة الشاباك عيونها على الشباب العرب تخفى المنفذون في ثياب إسرائيلية فتزيّا عددٌ في لباس الحاخامات وارتدى بعضٌ زي الجنود الإسرائيليين، فتسللوا عبر خطوط الظهر الإسرائيلية إلى الأهداف. في منعطف نوعي حاد لمراوغة أمن الاحتلال ظهرت الفتاة الفلسطينية في الميدان، وقادت عندليب خليل، ودارين أبو عيشة، وفاء إدريس وآيات الأخرس هجمات استشهادية أفقدت المؤسستين العسكرية والسياسية الإسرائيليتين صوابهما. من يتأمل قسمات سعيد الحوتري لن يشك لحظة أن ذلك الفتى الأشقر قصد الملهى الليلي في تل أبيب لمراقصة صبية، لكنه كان على موعد غرامي من طراز آخر. الحوتري يصلح كذلك شاهداً على أن المدربين والمنفذين يجيدون مهارة دفع اللاعب المناسب في الوقت المناسب في الموقع المناسب من المباراة المفتوحة بين المقاومة والاحتلال. بعد تفجير مطعم «سبارو» في القدس الغربية، كان «الكاشير» لا يزال يستعيد صورة الاستشهادي وهو يبتسم دون أن يدري الكاشير إنه كان في الوقت نفسه يضغط على الحزام الناسف. من يستشهد وهو مبتسم، لا يسخر فقط من غفلة خصمه. عملية السيارة المفخخة عند مفترق مجدو الأربعاء الفائت تكشف اندفاعاً نوعياً في الشق الهجومي للاستشهاديين. حراس الأمن الاسرائيليين شككوا فيما إذا كان هذا التطور يعتمد على القدرات الفلسطينية الذاتية. تفخيخ سيارة وتحرّشها بحافلة على الطريق حد الموت ينقل المباراة المفتوحة إلى أجواء عصيبة، اذ إنه يفتح ثغرات هائلة في العمق الإسرائيلي. صحيحٌ أن العرب يكتفون حالياً بمتابعة المباراة، وقليل منهم يشحذ هِمّة الطرف الفلسطيني. لكن حين يَجِدُ الجد وتفقد المباراة توازنها سيقتحم الجمهور الملعب حتماً ولن ينتظر الجالسين في المقصورة الرئيسية. ولن يترقب عدلاً من الحكم المنحاز أو يأمل في المنظمة الدولية التي أثبتت «الفيفا» إنها أكثر منها شفافية وانضباطاً وديمقراطية.