في كل مرة يطل علينا، ينذرنا الخامس من يونيو بالحزن وذكريات النكسة وغزو لبنان. ففي هذا اليوم ايضا قبل سبع سنين رحل الشيخ امام عيسى الفنان المصري الضرير الذي صدمته رؤية الهزيمة فأنشد حزناً وسخرية على تداعياتها المرّة. ومنذ أيام ثلاثة، اختطف الموت في مفارقة غريبة أيضاً شاعر السينما المصرية رضوان الكاشف الذي لعن النكسة متظاهراً مع رفاقه الطلاب رافضاً لمفاعيلها ومجسّداً على الشاشة أحلام البسطاء من أبناء مصر البهيّة. بين هذين الرجلين سمات مشتركة للمبدع المتفاني والمسكون بشجون شعبه، فكلاهما رفع راية المساكين من دون النظر الى مال أو جاه وكان يكفيهما أنهما حازا على المحبة والإقامة في القلوب. لا أعرف رضوان الكاشف كثيراً، لكنني شاهدته سينمائياً بارعاً في رائعته «عرق البلح»، وقصيدته الجميلة «ليه يا بنفسج». وكنت وآخرون نستعد لمشاهدة جديده «الساحر» خلال زيارته التي لم تتم للعاصمة أبوظبي، فقد رحل تاركاً لنا بعض الشرائط البديعة التي لم تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة لكنها حلّقت بجوائزها وغمرتها الأقلام بالاشادة والتقدير. وإذا كنت لم أعرف الكاشف، لكنني تعرفت على الشيخ امام منذ زمن بعيد، كان ذلك في سنوات الصبا، لم نكن بعد نتقن السياسة وندرك أسرارها حين تبادلنا شرائط أغنياته المهرّبة من خلف الحدود، وجعلناها أنيسة لسهراتنا وزاداً لتظاهراتنا الصاخبة في شوارع المدن والقرى تضامناً مع قضايا العرب والعالم، وتحدّياً لكل صنوف اليأس التي كانوا يحاولون زرعها في أسباب حياتنا. كثيرون لم يتعرفوا الى تجربة الشيخ امام الفنية والانسانية، تيقنت من ذلك حين كنت اسأل عنه حتى بين أهله، وكان يصدمني الجواب وينتابني شعور بالأسى والمرارة. إذ أن الحصار الذي كان مفروضاً على امام عيسى ورفيق دربه الشاعر أحمد فؤاد نجم كان صعباً بحيث جعل من اغنياتهما سلعة محظورة. لكن ثلة من المقرّبين استطاعت تهريبها وأخذت على عاتقها إيصال صدى الصرخة الى الجهات الاخرى. لم يكل الشيخ وما يئس، ظل المشاكس على الدوام مشكلاً مع نجم ثنائياً أفنى زهرة شبابه في الزنازين لأنه ذاب في حب وطنه وشعبه حاملاً صوت البسطاء الطامحين للأمل ومنشداً الحب للعاشقين في مزيج رائع للمعاني النضالية والعاطفية في الوجدان الانساني. هكذا، لن يكون غريباً ان يرتبط فن الشيخ امام بذاكرة أمّة ولحظات انكسارها واستنهاضها وبفرح الناس وحزنهم، فقد تحوّلت أغنياته المغزولة بكلمات من نار وأنغام من حنين الى عملة نادرة في محطات عربية آفلة. رحل الشيخ إمام، ولم يتسن له رؤية حلم طالما تمنى تحقيقه، وهو الانتصار على الاحتلال الاسرائيلي وإجباره على الخروج من أرض عربية محتلة بلا قيد أو شرط.. من بلد غنى له ولمقاومته بكل جوارحه وفي شتى أنحائه. التقيته في العام 1993 على ضفة نهر الليطاني، هنالك غنى الشيخ طويلاً وكان يرى بقلبه الآلاف وهم يرددون وراءه فيما صدى أصواتهم تردده الوديان. وحين كنا نسهر معاً على شاطئ صور، وفي غابة الصنوبر المطلة على المدينة، ونغني معه حتى طلوع الفجر، كنت أحدّق في وجهه الحنطي وأتأمل نظارته السوداء وما يخفيانه من أسرار العذاب والأمل التي أفرزتها تجربة الكفاح المديدة. وراحت بي الذاكرة إلى الوراء حيث كنا نحلم بلقائه لنتفقد أحواله في غرفته المتواضعة بأحد أحياء القاهرة الشعبية والآن لست أدري ما الحال الذي صارت عليه تلك الغرفة العتيقة. يطل الخامس من يونيو، فنتذكر الألم مقروناً بالمفارقات الغريبة. ولعل رحيل أمثال هؤلاء المبدعين يأتي ليضيف هزيمة أخرى لساحتنا الفنية والثقافية في ظل غياب أعلامها الكبار. واذ نفتقدهم من هذا الرصيد المتبقي لنا من نكهة الحياة، نتساءل: ماذا يتبقى لهذه الجموع العريضة المنتشرة في غير بقعة من ديارنا العربية التي تدفع غالياً ضريبة الحرية؟ ندرك ان الموت سنة الحياة، وأن سيرورة الكون تستدعي تعاقب الأجيال، وما لا يمكننا استيعابه هو هذا الخواء الذي يستوطن فضاءاتنا في كل مرة يخلي واحد من هؤلاء الرجال النبلاء مكانه لكن الذي يواسينا هو تمسكنا بالأمل، لعل أجيالاً تأتي لاحقاً تحفظ ذكر الأسلاف وأسرارهم وتطلقها على الملأ في فيلم أو أغنية أو كتاب.