حمدت الله ان حمى كأس العالم لم تجتاحني مثلما اجتاحت الكثيرين، فأنا وحتى قبل كتابة هذه الاستراحة كنت أسأل عن المنتخب الهولندي ، وعن نتائجه، وادركت بعد هذ السؤال الساذج انني بعيد جداً عن ملعب كأس العالم، فهولندا لم تتأهل ومثلها النمسا، لهذا تجدني أسأل كلما وجدت الزملاء متسمرين امام شاشة التلفزيون عن حكم المباراة فيستشيطون غضباً. قد يعتقد احدكم انني لا افقه شيئاً في كرة القدم ولا اعرف اسماء المنتخبات التي تأهلت الى النهائيات المقامة حالياً في كوريا الجنوبية واليابان فأرد بأنني مستعد الى المنازلة في اي فضائية عربية تختارونها لأثبت لكم مقدرتي وعزمي على النصر والفوز بكأس العالم، ولكنني رغم ذلك اعلن انسحابي ليس خوفاً من فشل ذريع ينتظرني، بل لأنني لا اريد ان اكشف ضعف اولئك المنظرين الذين يطلّون علينا اجبارياً عبر شاشات الفضائيات يحللون المباريات بشكل سقيم. وحتى لا تجرجرني هذه المساحة وتحصرني في زاوية ضيقة اترك اولئك المحللين لمقولاتهم المكررة 2 ـ 4 ـ 2 و3 ـ 4 ـ 1، واللعب بدفاع المنطقة وضرورة اللعب عن طريق الاجنحة، والدخول من العمق لا يؤدي الى نتيجة، وغيرها من المقولات التي نستطيع ان نكرّها كراً، ونقبض من ورائها الآلاف من الدراهم والريالات، ولكننا نقف احتراماً لهولندا التي كنا نعتقد انها تلعب في هذه الكأس التي لم ترو ظمأ العالم! اقول ذلك لأن العولمة التي اعتقدنا انها لم تستر عورة العالم بعد ان نزعت ورقة التوت عنها وكشفت العالم امام نفسه، عادت واعطتنا درساً جديداً في التحشم والتستر عندما ألبست كأس العالم حجاباً اجبارياً ووضعت قيوداً باسم امبراطورية الفيفا التي يحكمها الامبراطور بلاتر! هكذا وبقرار المال الذي يحكم الدنيا اصبحت لعبة الفقراء الشعبية كنزاً يدر الملايين والمليارات على امبراطورية اتحاد الكرة العالمي.. فمن يدفع يشاهد ومن لا يدفع يعتقد مثلي ان هولندا تلعب في اليابان او كوريا! عموماً من له حيلة فليحتال.. هذا ما تقوله لغة العصر، فأمام حمى المشاهدة الاجبارية يبحث الكل عن معنى او وسيلة للربح، المقاهي العتيقة، الفنادق، المراكز التجارية، محلات الالكترونيات المعنية بتركيب الاطباق الفضائية، حتى بابوه العامل الهندي بدأ يطرق الابواب من وراء صاحب المحل ويقدم خدمة التوصيل للمنازل بنصف السعر.. وكل ذلك من اجل عيون كرة القدم التي ألبسها الشيخ صالح كامل حجاباً اسلامياً ومنعنا من مشاهدتها، بعد ان كانت قليلة ادب وتركل بالاقدام ركلاً. المثير انه رغم نصيحة جدتي مازال العالم يهوى الاثارة والجنون، فجدتي ترى ان هؤلاء المجانين يركضون ويلهثون وراء كرة ويختلفون عليها ومن اجلها، فلماذا لا يقوم عاقل في هذا العالم المجنون فيعطي كل لاعب كرة لينتهي هذا الموال الطويل! اما الاثارة فتكمن فيما يترتب على حمى كأس العالم حيث تنشط الشركات والمؤسسات والافراد في ابتداع افكار مجنونة، فها هو احد الفنانين ينحت نموذجاً مصغراً لكأس العالم يمكن وضعه على رأس دبوس، فقد قام الفنان ويلارد ويغان بنحت التحفة من الذهب عيار 24 قيراطاً باستخدام ازميل من الماس، ويظهر على المنمنمة المدهشة جميع التفاصيل التي توضح دول العالم على نصب الكرة الارضية. وقد صنع هذا الفنان شهرته بقيامه بنحت المنمنمات الجميلة لنصب ومشاهد مشهورة، الا ان هذا العمل هو الاهم في حياته، حيث استغرق منه خمس عشرة ساعة يومياً لمدة ثلاثة اسابيع. على الجانب الاخر اثار وطيس معركة كأس العالم مكاتب المراهنات حيث تقبلت تلك المكاتب كل شيء ولم تترك شاردة او واردة، فمن عدد المرات التي سيخلع فيها اللاعبون قمصانهم الى عدد تسريحات شعر كابتن المنتخب الانجليزي ديفيد بيكهام، وقدرت مكاتب المراهنات حصيلة عملية المراهنات في بريطانيا وحدها خلال كأس العالم بنحو 250 مليون جنيه استرليني حيث جذبت الكثير من المراهنات غير العادية والمحيرة. اما في كوريا الجنوبية فقد منح نزلاء السجون اذناً خاصاً لمشاهدة مباريات كأس العالم في الوقت الذي انتشرت فيه حمى كأس العالم لتصيب جميع قطاعات المجتمع حيث ان مشاهدة السجناء للتلفزيون عادة ما تقتصر على البرامج الاخبارية وتحظر مشاهدة كرة القدم لأنها تعتبر عنيفة جداً! المثير في امر كأس العالم ان الاهتمام به لا يقتصر على الرياضيين او من يهوون كرة القدم فحسب بل جذبت هذه الساحرة المستديرة ايضاً اهتمام السياسيين والناشطين المدافعين عن قضايا انسانية او بيئية، فقد توافد على سيئول واليابان كثير من المنظمات المدافعة عن حقوق الحيوان، وربما يتساءل بعضكم.. ما علاقة الحيوانات بكرة القدم؟ وتأتي الاجابة سهلة وواضحة، فقد استغلت تلك المنظمات هذه المناسبة لتسليط الاضواء على القضايا التي تهمها وخاصة ما يتعلق بأكل لحوم الكلاب، تلك العادة الشعبية التي تتخصص لها مطاعم لا تقدم سوى هذه الوجبة التي يعتبرها البعض لذيذة جداً! عموماً بين هؤلاء وأولئك تمد العولمة كفوفها لتلتقط الكرة من بين ايدي الجميع، ففي زمن الانترنت لا حدود للمعلومة، حيث شهد موقع الفيفا على شبكة الانترنت رقماً قياسياً منذ بداية المونديال من حيث الاقبال، حيث فتح الزوار 79 مليون صفحة بينما كان الرقم 34 مليون صفحة يوم الافتتاح، اما في الايام الاربعة الاولى فكان عدد الصفحات التي تمت قراءتها 165 مليون صفحة، ما يعني ان كرة القدم سحبت البساط من مواقع الانترنت الاخرى. ورغم ذلك مازلت ابحث عن نتيجة مباريات هولندا على موقع الفيفا اعتقاداً مني بأنها تلعب وانها ستفوز بكأس العالم للمرة الاولى في تاريخها.. ربما تتحقق تلك الامنية ولكن في الحلم