لا يكاد الإنسان العربي يفيق من كوارث وأهوال الصراع المحتدم مع الدولة العبرية، حتى تداهمه بأنكى منها وأكثر فاجعة، ولا شك أن الحال استمر على هذا المنوال منذ نكبة 1948 حتى نكسة 1967، إلى أن شاءت الأقدار أو المتغيرات أن يهتدي العرب أخيرا الى المعادلة الصحيحة التي طرحها الرئيس جمال عبدالناصر، من أن ماأخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة. وهكذا - لأول مرة - يتبنى العرب في أكتوبر 1973 الآليات والوسائل التي تؤمن للقوة فاعليتها العملية على ساحة الصراع، سواء عبر توافر الإرادة السياسية وإيمانها بحتميات المواجهة مع العدو، ويقينها من انجاز النصر أو مرحلة متقدمة تقربها الى النصر، وسواء عبر إدارة المعركة في اطار خطة عسكرية مدروسة يتوافر لها الحشد والتعبئة والتوظيف الأمثل للطاقات البشرية والموارد الاقتصادية والامكانات العلمية، وسابق المعرفة الدقيقة بأوضاع العدو وعوامل قوته وضعفه، فضلا عن الاحاطة بالظروف الدولية والاقليمية بكل ايجابياتها ومتناقضاتها وتسخيرها في خدمة أهداف الخطة. وتلك واحدة من القضايا الجوهرية التي نفتقدها الآن في ادارة الصراع مع الدولة العبرية، سواء على الصعيد القومي الشامل أو على المستوى الفلسطيني الذي يمثل القلب النابض بالحركة الدؤوبة، والمقاومة الباسلة، ولا خيار أمامها سوى الحرية والاستقلال ودونهما الشهادة والتضحيات الجسام! وبصراحة ومراجعة أمينة لما جرى في كل المعارك والمواجهات العسكرية التي خاضتها الأمة العربية أو المقاومة الفلسطينية مع الدولة العبرية - فيما عدا حرب 1973، علينا أن نعترف بافتقارها دوما للحظة الهجومية أو الخطة الدفاعية ولا حتى مجرد وضع خطة احتياطية للانسحاب من ساحة الصراع في وقت الضرورة بل إن العرب غابت عنهم الرؤية القومية الثابتة والموحدة التي ترسى معالم واضحة ومحددة للسلام المنشود، بينما تراوحت المواقف ولا تزال بين القبول بالسلام مع الدولة العبرية والتغاضي عما اغتصبته ظلما وقوة من الاراضي الفلسطينية، وبين من يراهنون على تحرير فلسطين من النهر - الأردن - الى البحر - المتوسط. ومكمن الخلل على حد تقديري في فداحة الجب الواسع والعميق الذي يلعب دور العازل غير الطبيعي بين حركة الشعوب وطموحاتها الوطنية والقومية، وبين أنظمة حكم عربية لا هم لها سوى البقاء في السلطة وجني مغانمها بأقل المخاطر والخسائر أو المتاعب، ونتج عن ذلك وبشكل تلقائي، غياب ضرورات الفعل وانحسار مساحته وقوته لصالح رد الفعل فحسب، وشتان بين الفعل الذي يمثل السمة الاساسية للمشروع الصهيوني التوسعي الاستيطاني على حساب الوجود العربي منذ مؤتمر بازل عام 1895 وحتى اليوم، بخططه ومراحله وبرامجه وآلياته التنفيذية وفي نهجه ورؤاه واهوائه الاستراتيجية، وبين رد الفعل الانفعالي العربي تباعا في المقابل، والأمثلة التي تؤكد هذا الفارق في المستوى والتأثير وتمكن العدو من فرض الأمر الواقع على الارض تجل عن الوصف والحصر، وفي كل مصيبة ونائبة لا نتعلم من كوارث الانحياز الى جانب رد الفعل العشوائي غير المحسوب، سواء عبر عقد مؤتمرات القمة العربية، واندلاع المظاهرات الشعبية، وعقد الندوات الحوارية والبحثية وتدبيج المقالات والصولات والجولات الفضائية، وبعدها تهدأ الأعصاب وتبحث لها عن مفرج لكربتها النفسية والتكفير عن عقدة الذنب والعجز. ومن هنا نحسب انه لا مفر امام الشعب الفلسطيني بخاصة والأمة العربية عامة، سوى الولوج الى ساحة الحرية والاستقلال والسلام أو التسوية الا عبر (سكة السلامة) أعنى اعادة الاعتبار لمعادلة (ماأخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة)، وتبنى خطة استراتيجية متحركة لإدارة المرحلة الراهنة والمستقبلية للصراع، واعادة التوازن واضفاء المصداقية السياسية بين الشعوب وانظمة الحكم العربية واقتصادا للفاقد الثمين من طاقات وامكانيات المواجهة سدى. ومع احجام ومخاوف حكامنا وتبريرهم لاستبعاد الخيار العسكري رغم كونه الخيار الوحيد للعدو، تظل الانتفاضة الفلسطينية - في المنظور الراهن - الآلية والآداة الوحيدة للنهوض بمهام ادارة الصراع على مستوى الردع، كما وان التفريط في الانتفاضة مع غياب البديل الذي ينهض بمهامها خاصة في هذا الظرف العصيب، لا يعني سوى تكرار خيبات سياسة رد الفعل، وتصفية القضية الفلسطينية برمتها. ولعلنا من هنا نتذكر الشعار الذي ساد ربوع الدولة العبرية وكافة مؤسساتها الرسمية ومنظمات المجتمع المدني (سوف ننهض من جديد) كرد فعل سريع ومباشر على انتصارنا عليهم في حرب اكتوبر 1973 والهزيمة التي لحقت بحكوماتها وجيشها وبالمشروع الصهيوني، وشملت الدعوة الى النهوض في شتى مناحي الحياة ومستوى الاداء ونمط التفكير ونوعية القادة والكوادر الخ. واذا قمنا نحن العرب بالمراجعة المطلوبة فسوف يتحقق النهوض القومي المنشود في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي الثالث للشعب الفلسطيني بعد الاجتياح الأول عام 1948 والثاني 1967، وذلك ان المرحلة المستقبلية للصراع تستهدف من المنظور العربي وقف تمدد المشروع الصهيوني الرامي لاعلان دولة إسرائيل الكبرى عبر سياسة ترحيل الفلسطينيين خارج الوطن! ـ كاتب مصري