لم تفعل الأنتخابات الفرعية التي شهدها لبنان يوم الأحد الماضي في منطقة المتن الشمالي لاختيار نائب في البرلمان المكون من 128 عضوا خلفا للنائب الدكتور البير مخيبر ، الذي توفي قبل أسابيع، سوى انها أعادت طرح السؤال الذي طالما سأله اللبنانيون قبل نشوب الحرب الأهلية التي ضربت بلادهم لمدة عشرين عاما، وحتى بعدها، وهو : أي ديموقراطية... لأي لبنان ؟!. وفي ظل الفرز الطائفي، والمذهبي، والمناطقي العميق بين اللبنانيين، يصبح السؤال اكبر واكثر خطورة مما يتصور الجميع. ذلك أن المقعد المخصص لطائفة الروم الأرثوذكس، في المجلس النيابي الموزع مناصفة بين المسلمين والمسيحيين من ناحية والموزع مرابعة او مخامسة بين المذاهب الاسلامية والمذاهب المسيحية من ناحية ثانية، دفع بالعلاقة بين السلطة - او السلطات المختلفة والمتصارعة فيما بينها - والمعارضة - او المعارضات المختلفة بدورها والمتصارعة في ما بينها ايضا - الى مستويات من التوتر، بل والتحدي المتبادل، لم تبلغها في أي يوم طوال الفترة التي مرت على اعلان انتهاء الحرب الأهلية بالاتفاق الذي عقد في مدينة الطائف السعودية والذي يحمل اسمها قبل ثلاثة عشر عاما. وفي الحملة الانتخابية، كما في يوم الانتخاب ذاته وحتى بعده، لم يستعد المتنافسان على المقعد وانصارهما في السلطة والمعارضة لغة التهديد والوعيد وشعارات الحرب الأهلية فقط وانما ايضا اطلاق الدعوات الى اضراب عام في البلاد احتجاجا على تدخلات السلطة، ولاقالة وزير الداخلية الياس المر، زوج ابنة رئيس الجمهورية اميل لحود وشقيق المرشحة لملء المقعد ميرنا المر، والتهديد باستقالة بعض النواب المعارضين من المجلس وبعض الوزراء القريبين منهم من الحكومة احتجاجا على موقف السلطة من المرشح المنافس غبريال المر، الذي هو في الوقت ذاته شقيق نائب رئيس الوزراء السابق ميشال المر وعم كل من وزير الداخلية والمرشحة ميرنا. الشخصي .. والوطني وقبل الحملة، كما في اثنائها وفي يوم الانتخاب كذلك، صبغت الديموقراطية اللبنانية بألوان عائلية من النوع العشائري الضيق، كون المتنافسين الأساسيين من عائلة واحدة، وحتى من بيت واحد شهد مؤخرا خلافات بعضها مالي بين الشقيقين اللذين كانا يمتلكان معا محطة تلفزيون ال «أم. تي. في» وارادا «تصفية الحسابات» فيما بينهما ولكن في مكان آخر هو المجلس النيابي، وكون المرشح الثالث الذي لم ينل سوى اصوات قليلة هو الدكتور غسان مخيبر أبن شقيق النائب المتوفى الدكتور البير مخيبر. فضلا عن ذلك فان أحد أبرز وجوه المعارضة، النائب نسيب لحود، هو أبن عم رئيس الجمهورية الذي لا يفتأ ينتقد السياسة التي ينتهجها ابن عمه في الوقت الذي يتحضر فيه لخوض انتخابات رئاسة الجمهورية بعد ثلاثة أعوام ردا على ما يقال من ان الرئيس الحالي يعمل منذ الآن على السعي لتعديل الدستور من اجل التمديد له لفترة رئاسية ثانية. ولأن ميشال المر قريب جدا من السلطة، كما ان ابنه صهر لرئيس الجمهورية ووزير للداخلية في وقت واحد ايضا، فقد اعتبر نفسه علنا واكثر من مرة الزعيم السياسي الأوحد لطائفة الروم الأرثوذكس في المتن وربما في لبنان كله، ولأن قوى المعارضة التي دعمت شقيقه، وهي متعددة وحتى متباينة في ما بينها، تكيل الأتهامات - كل منها بطريقتها وأسلوبها - للسلطة بممارسة ما تصفه بأنه »ديكتاتورية سياسية» من خلال ميشال المر وأبنائه في منطقة المتن الشمالي، وبالعجز عن معالجة ازمات لبنان السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما فيها اخيرا الوضع الأمني الذي شهد اغتيال نجل الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة احمد جبريل ومسئول الطلاب في «القوات اللبنانية» رمزي عيراني قبل أسبوعين، وتتحفظ على المستوى الذي وصلت اليه علاقات السلطة تجاه خصومهم السياسيين في الداخل، وترى في الأجهزة الأمنية المتعددة كما في ممارساتها تعديا على الحريات الفردية والعامة. فقد اسبغ الطرفان معا على الديموقراطية اللبنانية في هذه الانتخابات صفة الموالاة للسلطة ومعارضتها بما في ذلك من مواقف تتصل بالأحقاد الشخصية وبالطموحات السياسية مثل الانتخابات النيابية العامة في العام 2005 وبالتالي معركة رئاسة الجمهورية، وبالوضع المالي في البلاد بعد ان وصلت ديون لبنان الخارجية الى حدود ثلاثين مليار دولار وبلغ عجز الخزينة اكثر من مائة في المائة، وبالمدى الذي يجوز او لا يجوز ان تصل اليه العلاقات الرسمية مع سوريا في المجالين الأمني والسياسي، وباتفاق الطائف الذي ترى غالبية اللبنانيين انه لم ينفذ او انه نفذ جزئيا، وصولا الى الخلافات التي باتت دورية بين اركان السلطة وخصوصا بين رئيسي الجمهورية اميل لحود والحكومة رفيق الحريري في تسيير شؤون الحكم وانعكاسات ذلك على الوضعين السياسي والاقتصادي في البلاد. ما بعد النتائج في هذا السياق عمدت السلطة، او السلطات، في خلال الشهرالذي سبق موعد الانتخابات وحتى ساعة اقفال صناديق الاقتراع يوم الأحد الماضي الى تجييش طاقاتها واجهزتها من اجل انجاح مرشحها، ووصل الأمر بوزير الداخلية الى حد ارتكاب ما وصفته «الجمعية اللبنانية من اجل ديموقراطية الانتخابات» بأنه «فضيحة لم يسبق لها مثيل» في تاريخ لبنان باصداره تعميما لرؤساء مكاتب الانتخاب اعتبر فيه ان استخدام (المعزل) اي الستارة في غرفة الأقتراع ليس الزاميا بما يشكل خرقا لقانون الانتخاب ولمبدأ السرية الذي ينص عليه هذا القانون. هذا مع العلم ان وزيرا آخر في الحكومة، هو وزير العدل سمير الجسر، خالف زميله وزير الداخلية عندما قال صراحة ان على رئيس مكتب الانتخاب دعوة الناخب لاستخدام المعزل تطبيقا للقانون. وحتى بعد الانتخابات، فان وزير الداخلية الذي يفترض به قانونيا ان يعلن النتيجة بعد ان تقدمها له «لجنة القيد» القضائية التي تدقق في النتائج، لم يفعل ذلك برغم صدور الصحف صباح اليوم التالي وهي تعلن فوز مرشح المعارضة بأكثرية ثلاثة أصوات فقط، ثم انه أعاد الى لجنة القيد تقريرها - قال في مؤتمر صحافي لاحق انه كانت هناك أربعة تقارير متضاربة فيما بينها - عن فوز مرشح المعارضة طالبا الغاء نتيجة احد مكاتب الاقتراع ليبدو لاحقا ان شقيقته ميرنا هي التي فازت بأكثرية خمسة أصوات مرة وبأكثرية خمسة عشر صوتا مرة أخرى. كان المرشحان قد اعلنا، كل من جهته، بعد ساعات من اقفال صناديق الأقتراع وسندا للأرقام المتوفرة من مندوبيهما في مكاتب الأقتراع، فوزهما بالمقعد. قال ميشال المر، والد المرشحة ميرنا، انها فازت بأكثرية خمسمائة صوت، بينما قال المرشح الآخر غبريال المر انه فاز بأكثرية ألفي صوت. وعمدت المعارضة، او المعارضات، في المقابل، وبينها «القوات اللبنانية» التي يقبع رئيسها سمير جعجع في السجن سندا لأحكام قضائية بحقه و «تيار لبنان الحر» الذي يقيم زعيمه ميشال عون في المنفى في باريس منذ اكثر من عشر سنوات، الى اثارة مناخ من التحريض السياسي، والطائفي في بعض الأحيان، جرى فيه النقر على وتر «المجتمع المسيحي» كما في سنوات الحرب الأهلية و «الاستقلال.. والسيادة.. والقرار الحر»« في مواجهة « الهيمنة. والتبعية والالتحاق»، أي في مواجهة سوريا والسلطة اللبنانية. وبعد ثمان وأربعين ساعة من اقفال صناديق الأقتراع، وعدم اعلان نتيجة نهائية من قبل وزارة الداخلية كما ينص القانون، وجدت المواجهة العائلية وفي داخل العائلة الواحدة، ومعركة « تصفية الحسابات « الشخصية بين الأخوة وابناء العمومة والأقارب، وحرب الشوارع بين الأطراف السياسية - الطائفية - المذهبية، نهاية لها باعلان الوزير الياس المر أرقاما تظهر فوز مرشح المعارضة الا انه قال انه سيرسلها الى مجلس النواب والى المجلس الدستوري للنظر فيها... وربما البت بالقضية التي استمرت موضع جدال وتهديدات متبادلة طيلة ساعات ساخنة جدا على الساحة اللبنانية السياسية والشعبية. ما يبقى انه ايا تكن الانعكاسات السياسية والشعبية، وحتى الاقتصادية والمالية لحساسية لبنان الفائقة لمثل هذه التجاذبات، وأيا تكن وجوه الشبه بين موقف الياس المر من شقيقته ميرنا وعمه غبريال، وأيا تكن المفارقة بين لبنان وغيره من الدول العربية التي لا تعرف الانتخابات، بل وأيا تكن في النهاية نتيجة «صراع الديوك» في المتن الشمالي، وفي لبنان كله، ومعركة «شد الحبال» المشدود أصلا بهدف تسجيل نقاط هنا وهناك على طريق الوصول الى السلطة، فما يزال اللبنانيون يطرحون سؤالهم التاريخي: أي ديموقراطية.. لأي لبنان؟!. فلا يحتاج لبنان، ولا أي بلد في العالم، فضلا عن أي بلد في العالم العربي يرنو الى حد ما من الحريات السياسية وعملية تبادل السلطة، الى «ديمقراطية» النكايات.. والعائلات. وتصفية الحسابات الشخصية.. فضلا عن اللعب بنار الحرب الأهلية، من اجل المحافظة على السلطة او الوصول اليها. ـ كاتب لبناني