ما هو القاسم المشترك بين صدور قرار من المحكمة العليا الفلسطينية باطلاق سراح الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين احمد سعدات ووقوع هجمة استشهادية ، في مدينة مجدو الاسرائيلية على حافلة عسكرية قضت على 13 جندياً اسرائيلياً وجندية وخمسة آخرين هم شخصيات شبه عسكرية؟ القاسم المشترك هو ان كلا من الحادثتين كشفت حقيقة موقف معين للقيادة الفلسطينية وقادة عرب. في الحادثة الاولى رفضت القيادة الفلسطينية الانصياع لقرار المحكمة مما فضح حقيقة «استقلال القضاء» كاحدى مفردات دعوة السلطة الفلسطينية الى «الاصلاح». وفي الحادثة الثانية سارع الرئيس عرفات وقادة عرب آخرون بصورة تلقائية وفورية الى ادانة العملية الاستشهادية.. رغم ان الغالبية العظمى لضحاياها الاسرائيليين عسكريون. وبذلك انكشفت حقيقة الموقف العربي الرسمي من العمل الاستشهادي الفلسطيني. فقد ظلت قيادات عربية ـ بما فيها القيادة الفلسطينية ـ تعلن وتعيد القول انها ليست ضد العمل الاستشهادي من حيث المبدأ وانما هي ضد الهجمات التي تستهدف مدنيين اسرائيليين ابرياء.. كالهجوم على مطعم او حافلة ركاب مدنية مثلاً. بالطبع لم يكن رفض قيادة السلطة الفلسطينية الافراج عن سعدات، كما قضت بذلك المحكمة العليا، بلا مبرر لكنه مبرر كسيح بلا ساقين. فقد قال متحدث باسم السلطة انها اذ تحترم قرار القضاء فإنها في الوقت نفسه تخشى على حياة سعدات معرباً عن تخوف بأنه في حالة اطلاق سراحه قد يكون معرضاً لاغتيال بواسطة القوات الاسرائيلية. ولو كانت قيادة السلطة صادقة في موقفها هذا لتركت القرار لسعدات و«الجبهة الشعبية» فهي ليست بحال من الاحوال احرص منهما على حياته. لكن السلطة الفلسطينية لا تخشى في الحقيقة على حياة هذا المناضل الكبير وإنما تخشى من اغضاب الولايات المتحدة. ولنعد الى الاذهان ان اعتقال احمد سعدات في سجن في مدينة أريحا تحت حراسة رجال أمن اميركيين وبريطانيين ومعه آخرون تتهمهم اسرائيل بتدبير وتنفيذ حادثة اغتيال وزير السياحة الاسرائيلي رحبعام زئيفي كان جزءاً من صفقة ابرمتها الولايات المتحدة مع السلطة الفلسطينية بموافقة اسرائيلية لفك الحصار عن الرئيس عرفات. والآن تخشى السلطة من اغضاب واشنطن اذا طبقت قرار المحكمة الفلسطينية باطلاق سراح أمين عام «الجبهة الشعبية». اذ ما معنى «الاصلاح» الذي بشر به الرئيس عرفات مؤخراً وفي مقدمته «قانون استقلال القضاء» الذي وقع عليه الرئيس نفسه الاسبوع الماضي؟ ان هذا الموقف المفعم باللامصداقية يغرينا بالظن بان الصفقة الفلسطينية الاميركية المشار اليها تتضمن ايضا تعهدا من الرئيس عرفات بادانة العمل الاستشهادي بصورة مطلقة حتى لو كان ضد عسكريين اسرائيليين وان هذا التعهد تتسع دائرته ليشمل قادة عربا آخرين والا فما معنى ان يتسارع عرفات وقيادات عربية الى شجب عملية استشهادية استهدفت حافلة عسكرية تقل جنودا اسرائيليين وجنديات على خلفية اقتحامات يومية لدبابات اسرائيلية في المدن الفلسطينية تمارس القتل العشوائي فلا تفرق بين مقاتل ومدني عادي او بين رجل وطفل؟ لقد قال احد قادة منظمة «الجهاد الاسلامي» الفلسطينية ان المنظمة على استعداد للتجاوب مع القادة العرب الذين يرفضون «العنف بكل اشكاله» والتخلي عن نهج العمل الاستشهادي نهائيا اذا تقدم هؤلاء القادة ببديل يؤدي الى ردع ارييل شارون عن سياحة قواته القاتلة في المدن والقرى الفلسطينية والى انسحابها نهائيا. انه تحد منطقي. اذ كيف تتوقف المنظمات الفلسطينية عن العمل الاستشهادي نهائيا وهو سلاحها الاوحد في وجه قوة خارجية يتوافر لها جيش مدرب مع آلاف الدبابات والمدرعات ومئات الطائرات الحربية بأنواعها بما في ذلك المروحيات؟ ونواجه الامر بصراحة: ان ايقاف العمليات الاستشهادية مطلب اسرائيلي تدعمه الولايات المتحدة وهذا مفهوم. فكل عملية استشهادية داخل العمق الاسرائيلي تعني ضربة سياسية لوعد شارون الانتخابي لشعبه بتحقيق الامن الشامل للمجتمع الاسرائيلي. وما ليس مفهوما ان يجتهد بعض العرب في دعم هذا المطلب اذا كانوا يريدون حقا ـ كما هو مفترض ـ ان يروا نهاية للاحتلال الاسرائيلي لاراضي الشعب الفلسطيني الشقيق.