هناك أماكن تهوى الشعر وتتغذى على همسات العشق وتمتص رحيق المشاعر الجوانية وتراها أكثر حيوية من المياه الجوفية.. وهناك أماكن تعيش بقلب من حجارة وشرايينها خالية، من الدم ومعبأة بالأسمنت المخلوط بالزلط.. وهناك أماكن مدت جسورها مع الله.. لا تكف عن الابتهال له ليل نهار ولا تستقبل سوى أوليائه.. وهناك أماكن تعادي الشمس وتوصد أبوابها في وجه النور وتغطي نفسها بالثلج والزمهرير.. وهناك أماكن تؤمن بالسحر واستحضار الأرواح وتحترف السحر والشعوذة.. وهناك أماكن تتصور أنها قد خلقت لتجلس على بوابة التاريخ وتمسك بمفاتيحه. وتشعر أنها وحدها هي التي تحدد قامات وهامات الشخصيات التي تدخلها وتعبرها الى الخلود.. على رأسها (كامب ديفيد). في 19 نوفمبر عام 1977 ركب الرئيس الراحل (أنور السادات) حصان الأقدار ومشى به على كوكب الأعداء.. في ذلك اليوم نزل على سطح إسرائيل وقد تصور أن الجيتو اليهودي سيفتح له أبوابه الصدئة بمجرد أن يصلي ركعتين في المسجد الأقصى ويقرأ الفاتحة عند قبة الصخرة.. نقطة الصعود الى السماء.. في رحلة الإسراء والمعراج.. لكن.. إسرائيل سارعت بإطلاق الرصاص على طائر السلام الذي أطلقه في سمائها.. ذبحوه.. وشووه وأكلوه.. ولم يبق في يد (السادات) سوى الخيط. لم يكن مافعلته إسرائيل غريبا.. فهي تكره هذا النوع من الطيور الغريبة وتعتبرها طيورا مهاجرة غير مقيمة ليس لها الحق في البقاء أو النوم على شجرة أو تناول حبة قمح واحدة.. فقد صادرت كل الأشجار.. ووضعت كل حقول القمح تحت الحكم العسكري.. وهو ماجعل (السادات) يشعر بالقرف والغضب وكاد ان يعلن سحب مبادرته ووفاتها ودفنها في مقابر الصدقة. في ذلك الوقت كان هناك طرف ثالث يقرع قلبه بعنف وكأنه طبلة أفريقية أو كوبية وقد تغيرت ملامحه وفصيلة دمه وهو الرئيس الأمريكي (جيمي كارتر).. كان يريد ان يمارس احساسه بأنه الرجل القوي في العالم الذي لا يرد له طلب.. وملك المجموعة الشمسية الذي تزيد مساحة يده على مساحة بلاده.. في ذلك الوقت قال: (إنه يريد أن يحيى الضفدعة الميتة لتدب الحياة في أطرافها.. وترتعش وتقفز من جديد إلى الماء.. وفيما بعد كتب في مذكراته: (إن الحب والمفاوضات الصعبة لا يرتاحان الا في الأماكن الضيقة.. ففي الأماكن الضيقة تصبح الجدران أكثر اقترابا.. وخشب المقاعد أكثر حيوية.. وتأخذ الكلمات أشكالا جديدة لا أحد يتخيلها مهما كان ملهما.. في الأماكن الضيقة تتغير هوية الاشياء وطبيعة الاشخاص.. وهكذا.. سمعنا عن منتج (كامب ديفيد) أول مرة.. ومن يومها وقد أصبح الاسم جزءا من تاريخنا السياسي في الشرق الأوسط.. أصبح كلمة في قصيدة.. وشعارا في مظاهرة.. وحروفا في كتاب يحلل الصراع المزمن الذي نعيشه منذ أكثر من نصف قرن. (كامب ديفيد) هو الاستراحة السياسية للرئيس الأمريكي.. يقضي فيها عطلة نهاية الأسبوع.. يقرأ التقارير السرية.. يمارس رياضة الجري والسباحة وصيد الطيور البرية.. يستقبل أصدقاءه أمام حلقة (البربيكيو).. أو حلقة الشواء الشهية.. ويمكنه أيضا أن يختلي بزوجته بعيدا عن عيون كاميرات الصحافة المتطفلة.. وفي بعض الأحيان يتلقى دروسا في ادارة الحكم والأزمات وكيفية مواجهة مؤسسات الرأي العام.. وفي بعض الأحيان الاخرى يدير مفاوضات صعبة خفية يمزج فيها بين الاعتبارات الاستراتيجية والاعتبارات الشخصية كما حدث في المفاوضات التي جرت بين (السادات) و(مناحم بيجن) رئيس وزراء اسرائيل الأسبق التي انتهت بمعاهدة الصلح بين مصر واسرائيل والتي اشتهرت بمعاهدة (كامب ديفيد). ظهر اسم (كامب ديفيد) أول مرة بعد حادث (بيرل هاربور) ودخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية بشهور قليلة.. لقد تحطم الأسطول الأمريكي في ذلك الوقت بقذائف الطائرات اليابانية.. فكان أن قرر الرئيس الأمريكي وقتها الانتقام المباشر.. وسخنت المدافع.. وانطلقت الطائرات.. وبدأ جنود مشاة البحرية يستعدون للغزو والانقضاض.. لكن.. على الجانب الآخر كان لابد من تدبير مكان آمن للرئيس (تيودور روزفلت) بعيدا عن (البيت الأبيض) الذي تحول الى غرفة عمليات للحرب.. مكان قريب من العاصمة واشنطن.. يكون مرتفعا عن سطح البحر لتجنب حرارة واشنطن المرتفعة في الصيف.. ويوفر سرعة الاتصال بإدارات الدولة المختلفة.. وتتوافر فيه عوامل المحافظة على حياة الرئيس. جرى البحث عن هذا المكان بهذه المواصفات الصعبة على قدم وساق.. ووصل الأمر الى حد أن رجال الرئيس تفقدوا نحو 350 مكانا في أقل من شهر.. لكن.. لم يطمئنوا إلى واحد منها.. فكان ان اقترح أحد المسئولين أن يكون هذا المكان هو اليخت الخاص للرئيس.. على أن رجال الحراسة سارعوا بالرفض ونسفوا الاقتراح من أساسه.. فاليخت الخاص للرئيس لن يكون من الصعب اصطياده أو نسفه بطائرات مغيرة أو غواصات ألمانية متسللة. على عتبة صيف عام 1942 وقع الاختيار على منطقة تسمى (كاتوكين).. وهي منطقة كانت معسكرا صيفيا لموظفي الحكومة الفيدرالية يقضون فيه عطلات نهاية الأسبوع ليعلموا أولادهم فنون الحياة في المخيمات.. وأساليب التفاهم مع الطبيعة.. على هذه المنطقة التي دبت فيها الحياة منذ عام 1938 بنيت كبائن لاقامة مسئولي المعسكر وكبار السن من الزوار.. لكن ذلك كله كان من السهل ازالته من أجل الرئيس الذي كان يعاني من متاعب صحية وضغوط أمنية. في يوم 22 إبريل من ذلك العام زار المنطقة الرئيس (روزفلت) وتحمس للمكان ووجد نفسه يمدد جسده على خضرته.. في ذلك اليوم ولدت أسطورة (كامب ديفيد).. لكن.. البداية لم تحمل هذا الاسم.. وانما حملت اسما غريبا لا معنى له أطلقه (روزفلت) هو (شانجرلا).. لقد سأل الصحفيون (روزفلت) عن المكان الذي انطلقت منه الطائرات الأمريكية التي ضربت العاصمة اليابانية طوكيو ردا على ماجرى للأسطول الأمريكي في (بيرل هاربور) لكنه لم يكن مسموحا له أن يحدد هذا المكان فاختار كلمة خرافية لا وجود لها هي (شانجرلا).. وفهم الصحفيون الخدعة.. ولأن عملية تدمير طوكيو كانت عملية عسكرية ناجحة فإنه تفاءل بكلمة (شانجرلا) وأطلقها على منتجعه. التصق اسم (شانجرلا) بمنتجع الرئيس الأمريكي حتى جاء الرئيس (دويت ايزنهاور) فأطلق عيه اسم (كامب ديفيد) تفاؤلا باسم حفيده (ديفيد).. أما كلمة (كامب) فتعني كلمة معسكر.. ومن ثم فإن (كامب ديفيد) تعني (معسكر ديفيد) وقد ظل هذا المعسكر بعيدا عن أسماعنا واختياراتنا السياسية حتى كانت مفاوضات (بيجن) و(السادات) و(كارتر).. فعكس الاسم كل مااثارته معاهدة الصلح بين مصر واسرائيل من انقسامات وتداعيات وأيديولوجيات وخلافات. لقد تصورت الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أن (السلام) هو مصباح علاء الدين السحري الذي سيحل كل مشاكل الشرق الأوسط.. وحفزها على ذلك أنها خرجت من هذه الحرب امبراطورية عظمى على انقاض أسد عجوز في بريطانيا راح يجمع أسنانه وأضراسه المتساقطة وعلى أنقاض دولة استعمارية أخرى هي فرنسا كانت قد أيقنت ان صناعة العطور والملابس والسيطرة على ممالك الموضة والذوق ستعود عليها بفائدة تتجاوز الفائدة التي كانت تجنيها من مستعمراتها القديمة.. وجربت الولايات المتحدة منذ اعلان دولة اسرائيل في عام 1948 مساعي ومشاريع الصلح وراحت تمد خيوطا سرية استخبارية تحت الأرض مع الملك فاروق ومصطفى النحاس قبل الثورة.. ثم مع محمد نجيب وجمال عبدالناصر وأنور السادات بعد الثورة.. لكن.. كل هذه المحاولات الملحة وغير اليائسة على مدى 30 سنة تقريبا لم تكن مثمرة.. بل على العكس جاءت بنتائج ملتهبة.. (حرائق نار لا تنطفئ ونزيف جراح لا يلتئم).. وأمل في سلام واستقرار وتفاهم بدا وكأنه سلسلة متصلة من سراب ودخان وسحب وغيوم لا تمطر.. ولا تسمن. وعندما أطلق السادات مبادرته لم يكن من الممكن تجاهل الفرصة أو ترك اسرائيل تفسدها أو تقتلها أو تذبحها.. خاصة وأن الصلح سيكون من أكبر وأقوى دولة عربية.. لم يشأ الرئيس كارتر أن يترك تذكرة دخول التاريخ من أوسع أبوابه تضيع من يده.. لقد وجد بين أصابعه ورقة يانصيب رابحة فكيف يمزقها ويجلس الى جانبها يبكي حظه العاثر وهو يلملم عظام الخيول المذبوحة على حد قوله فيما بعد. في ذلك الوقت كانت المبادرات والاتصالات الشخصية في عزها.. وكان مجرد الحفاظ على خطوط مفتوحة بين السادات وبيجن هدفا لا يجوز الابتعاد عنه.. وهكذا استخدمت دبلوماسية الاعلام في الابقاء على الجسور المفتوحة تمهيدا لحبس الأطراف الفاعلة والمؤثرة وراء أسوار منتجع (كامب ديفيد) دون أن يخرجوا منها الا وقد وقعوا على معاهدة الصلح.. وهو ماكان.. ورغم ماقيل عما جرى في تلك الأيام فإن هناك أسرارا لن تكشف الا فيما بعد. لقد عرفت مثلا أن السادات حمل معه إلى هناك 6 أفلام لمطربه المفضل فريد الأطرش.. راح يشاهدها بهدوء أعصاب يحسد عليه بينما كان الدكتور أسامة الباز يتفاوض نيابة عنه مع بيجن وكارتر حول مسائل بدت شائكة.. وعندما وصلت هذه المفاوضات الى لحظة من لحظاتها الحرجة أنسحب وهو يسمع وصف كارتر له بالتشدد.. وشعر أسامة الباز أن كارتر سيذهب إلى السادات ليؤثر عليه فسارع إليه كاشفا له ماجرى.. في تلك اللحظة كان السادات في استراحته يرتدي بيجامة بيضاء ويشاهد فيلما من الأفلام الغنائية التي حملها معه عندما نصحه أسامة الباز أن ينام مبكرا ولا يسهر كعادته حتى الرابعة صباحا لتجنب ضغوط كارتر.. ونادى السادات حارسه الخاص الواقف على باب الاستراحة وقال له: انه سوف ينام ولا يريد أن يوقظه أحد مهما كان.. وبعد نصف ساعة جاء كارتر فعرف من الحارس أن السادات قد نام.. فقال له كارتر: ان السادات لا ينام في هذا الوقت المبكر.. (أدخل عليه ستجده مستيقظا).. لكن الحارس رفض.. وسأل كارتر: من كان مع السادات قبل أن ينام.. وعرف بأنه أسامة الباز.. فشعر كارتر بالقلق على السادات وبالندم على أنه لم يستجب لطلب مخابراته المركزية بوضع أجهزة تنصت في استراحات الوفود.. فقد تصور أن السادات قد أصابه مكروه.. وفي الصباح الباكر كان كارتر ينتظر السادات على باب استراحته فقص عليه ماجرى ليلة الأمس وراح الاثنان يتضاحكان. مقر الرئيس الأمريكي في (كامب ديفيد) يطلق عليه (آسبن).. ويتكون من مطبخ وحجرة معيشة وحجرة طعام وأربع غرف نوم وحمامين.. وفي عام 1959 جرت توسعته بزيادة غرفة للمعيشة وغرفة للعرض السينمائي وحمامين حتى يشعر ضيوف الرئيس بمزيد من الراحة.. وفي مدخل (كامب ديفيد) توجد بوابة فولاذية تجعله يشبه قلعة حصينة.. ويحمل كل من يتجاوز هذه البوابة شارة خاصة يتغير شكلها دون موعد سابق. ولم تكن معاهدة الصلح بين مصر وإسرائيل الحدث التاريخي الوحيد الذي وقع في (كامب ديفيد).. كانت هناك أحداث لا تقل عنه أهمية.. فقد جرت فيه المباحثات التي رسمت خريطة العالم بعد الحرب العالمية الثانية بين (روزفلت) و(ونستون تشرشل) وعندما كانت تنتهي جلسة من جلسات هذه المفاوضات كان روزفلت يهرع لهوايته الشهيرة والوحيدة.. جمع طوابع البريد.. أما الرئيس (هاري ترومان) فكان يفضل لعب (البوكر) وأدخل أول مائدة خضراء هناك.. وظهر هناك أيضا (نيكيتا خروتشوف) الزعيم السوفييتي القوي لأول مرة في حياته وهو بالشورت هناك.. ولم يكن (خروتشوف) يعرف شيئا عن (كامب ديفيد) حتى استضافه الرئيس (أيزنهاور) فيه.. وكانت له زيارة اخرى في عهد الرئيس (كيندي) لمناقشة أزمة (ممر الخنازير) التي كادت أن تستخدم فيها الصواريخ النووية بين موسكو وواشنطن.. أما الرئيس (رونالد ريغان) فكان يمارس هوايته في ركوب الدراجات وأعمال النجارة.. وعلى نفس الطريق كان (جورج بوش) الأب يقضي أوقات فراغه في اصلاح (حدوات) خيوله.. لكن.. الرئيس الرومانسي العاشق (بيل كلينتون) كان يكتفي بالاستمتاع بالعشاء في (كامب ديفيد) وسط طبيعة ساحرة يحميها جبل (كاتوكين) القريب من مدينة (ثورمونت) وهي مدينة تقع في ولاية ميرلاند الملاصقة لواشنطن. وقد حاول (كلينتون) ان يحقق النجاح نفسه الذي حققه كارتر ويجبر الفلسطينيين والإسرائيليين على توقيع معاهدة سلام حاسمة بينهما يمكن أن تدخل التاريخ باسم: (كامب ديفيد) الثانية.. لكنه لم يدرك ان الظروف قد تغيرت.. والشخصيات أيضا.. وهو ماجعله يخرج من (كامب ديفيد) و(البيت الأبيض) ولعنة الشرق الأوسط تطارده.. وقد خشي خليفته (جورج بوش) الابن أن يلقى المصير نفسه في بداية حكمه فراح يتعامل بحذر مع لعنة الشرق الأوسط.. لكن.. الأحداث التي توالت فيما بعد بسرعة مذهلة جعلته يندمج فيها شيئا فشيئا.. وجعلته يعود الى (كامب ديفيد) مرة أخرى لعل حظ (كارتر) - وليس فشل (كلينتون) - يكون من نصيبه. ـ صحفي مصري