هناك قضية واضحة المعالم على أرض فلسطين، ولكن هناك أيضا قراءات كثيرة لهذه القضية، كلها للأسف ليست صحيحة أو نزيهة أو عادلة أو.. هناك احتلال، لا يهم بماذا نصفه، فصفة غاشم أو وحشي أو.. الخ لا تغير من الوضع شيئاً، حيث لا يوجد احتلال غير غاشم أو غير وحشي أو غير مستبد أو...، وهناك شعب تحت الاحتلال، فاقد الحرية، والوطن، والحياة الطبيعية، والسبب يعود للاحتلال طبعاً، هذا يعني أن الحكاية ليست مسألة كيمياء أو كحكاية من جاء أولاً البيضة أم الدجاجة؟! الحكاية واضحة وغير معقدة ابداً. الحكاية لا تحتاج الى كل هذا الذي يحدث، والى كل هذه الجيوش من الوسطاء والمنسقين الدوليين، ومبعوثي السلام وأقطاب السياسة العالمية وجنرالات وكالات الاستخبارات، هذا اذا أردنا ان نقرأ المعادلة كما هي، اما اذا أردنا ان نقرأها مقلوبة، أو من اليسار الى اليمين أو بالحروف العبرية لا العربية، فان الحكاية يصبح لها تفسير آخر وقراءة اخرى، وتحتاج فعلاً لكل التعقيد الحاصل! عملية (مجدو) الأخيرة التي أودت بحياة 16 اسرائيليا و40 جريحاً، لن تكون الأخيرة في أبجدية القضية، لأننا لو كنا نقرأ الحكاية بشكل صحيح، ولو كانت الولايات المتحدة تقرأها بشكل صحيح، واذا كانت حكومة (اسرائيل) تقرأ بشكل صحيح، فان كلاماً كالذي قيل بعد العملية وكالذي يقال بعد كل عملية استشهادية، لن يتكرر ابداً لحين تصحيح القراءة، والقراءة الصحيحة تقول: ان شعبا محتلاً مسلوب الوطن والحرية والسلام لا يمكنه أن يفعل شيئا آخر سوى أن يختار طريقة (شمشون) المعروفة، فخيار شمشون ليس انتحاراً للفلسطينيين على الاطلاق كما يردد البعض، انه الخيار الطبيعي لشعب لم يعد لديه ـ ومنذ زمن طويل ـ شيء يفقده، ولذلك صار خيار (علي وعلى أعدائي) سلاحه الوحيد! شارون سيكون في واشنطن يوم الاثنين المقبل، وسيقابل بوش ليعرف وليتفاهم معه على ما تم التوصل اليه أو الاتفاق عليه بين الادارة الأميركية و«حسني مبارك» الرئيس المصري وهذا لا يعني ان شارون سيوافق وسيصبح كغيره، شارون ذاهب ليقول كلامه المعتاد، وليتمسك بشعاراته ومواقفه، لأنه يعلم أنه يقرأ القضية الفلسطينية بطريقته المقلوبة لكنه يعلم أيضاً أن بجانبه «لوبي صهيوني» خارق القوة والنفوذ في أميركا، يستطيع تصدير كل اخطائه للادارة الأميركية مع ضمان اكيد بقبولها والانصياع لحماقاتها وجنونها. اما عرفات فسيظل يلوح باشارة النصر كعادته دائما، اذا ما حوصر، واذا ما استقبل مبعوثا أميركيا او تفقد اثار الدمار في اماكن متفرقة من مقره الرئاسي، او القى خطاباً أو استقبل مسئولا عربيا أو التقى وفدا اعلاميا أجنبيا، سيرفع علامة النصر دائما وسيبتسم مرددا: «سنقيم دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف رضي من رضي وكره من كره ومن لا يعجبه فليشرب من البحر»!! ولا ندري من الذي سيكره ومن الذي سيرضى ومن سيشرب من البحر. نتمنى ان نكون مبتسمين دائما مثل (ابو عمار) ونتمنى أن نرفع علامة النصر حقا، لأنه ما من احد يكره الابتسام أو النصر، ولكن ما الذي نقرأه ونراه على أرض فلسطين ويدعو للابتسام حقا؟ وما الذي يدبر للشعب الفلسطيني ويدعو لرفع علامة النصر بخلاف ضربات المقاومة والانتفاضة وعملياتها التي يراد لها ان تستسلم وتنزوي ويخمد صوتها؟ حقيقة واحدة تدفع للابتسام ورفع العلامة بثقة دون ان نجعل العالم يسخر منا، هو ان يقرأ هذا العالم معادلة ما يحدث على أرض فلسطين بشكل صحيح وينصاع لمتطلبات هذه القراءة: الشعب الفلسطيني شعب محتل، وفلسطين ارض محتلة، ساومنا عليها كثيرا حتى ضاع اغلبها، ما بقي قليل جداً، ومع ذلك فمازلنا نساوم عليه، باسم مكافحة الارهاب تارة، واصلاحات الدولة تارة اخرى، وفي النهاية يتضخم رصيد الشعب الفلسطيني من البلايا والكوارث والمحن وقوافل الشهداء، ما يحتاج الى اعادة نظر هو ان هذا الشعب يحتاج الى استعادة حقه، يحتاج الى وطنه ويريد حريته، يريد رحيل المحتل، ويتمسك بما بقي ويطالب بما اقرته مواثيق الشرعية الدولية، فيما عدا ذلك، لن يتوقف ما يسمونه بالعنف، لان العنف لم ينطلق من الفراغ، لقد جاء نتيجة للاحتلال ولذلك يجب ان يرحل هذا الاحتلال ليتوقف العنف في المقابل، فالسبب قبل النتيجة! القضية ليست معقدة ابداً، لقد عقدوها بما فيه الكفاية حتى ضاعت خيوطها وتاهت بدايات الحل، واصبحت القضية الاضخم والاكبر والاخطر في تاريخ البشرية، وكل محاولات الـ «سي.اي.ايه» لاعادة تركيب اللعبة او السلطة لن تجدي نفعاً، لأن الأوهام التي بدأت بمسيرة كامب ديفيد ومدريد واوسلو ستستمر مع وهم الاصلاحات الجديد، ولن تنتهي الحكاية، فتعديل السلطة أو اصلاحها ليست القراءة الصحيحة ابداً، القراءة معروفة والقضية ليست معقدة ابداً!!