مع تصاعد الضغوط الاميركية على العالم العربي لتجريم العمليات الاستشهادية، بدأت تختفي كلمة «الاستشهادية» من الادبيات الاعلامية في دول عربية لتحل بدلاً منها كلمة «الفدائية». وهذا ملاحظ الآن في قنوات فضائية ذائعة الصيت وفي صحف رسمية. وخطورة هذا الاستبدال تكمن في محاولة تفريغ هذه العمليات من جوهرها الديني، والعودة بالمقاومة الفلسطينية المسلحة ـ اعلامياً ـ الى ما كانت عليه قبل سنوات اليقظة او الصحوة الاسلامية في الصراع مع اسرائيل. فقبل ظهور حركتي «حماس» و«الجهاد الاسلامي» كانت معظم حركات المقاومة الفلسطينية تنطلق من معطيات الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي. وتبنت معظم هذه الحركات او الفصائل ـ بحكم طبيعة المرحلة ـ ايديولوجيات ذات توجه قومي او اشتراكي او ماركسي. وتبعاً لذلك عبرت المصطلحات المستخدمة في ادارة الصراع عن هذه التوجهات فكانت هذه الحركات او المنظمات ومن ورائها الاعلام العربي تطلق على نفسها منظمات «فدائية» وتسمي مقاتليها «فدائيين» وما تقوم به هو عمليات «فدائية». وكانت كلمة فدائي ذات صدى رنان في النفوس تضع صاحبها في مرتبة الابطال الاسطوريين، وظل هذا النهج متواصلاً منذ الستينيات ـ انطلاقة الثورة الفلسطينية ـ وحتى الثمانينيات. ومع التسعينيات واشتداد عود حركات المقاومة الاسلامية الفلسطينية «حماس» و«الجهاد» سارت الحركتان في نفس طريق المنظمات الاقدم منهما، ولكنهما تميزتا عنها عبر اطروحاتهما الاسلامية، وتأصيل الصراع مع اسرائيل على اساس اسلامي، ذلك الجانب الذي كان مغيباً طوال سنوات سبقت ظهور الحركتين. كما تميزت «حماس» و«الجهاد» في التوسع في العمليات «الاستشهادية» وابتداع تقنيات وتكتيكات لم تكن معروفة من قبل في هذا الميدان، وهكذا ظهرت مصطلحات جديدة فحلت كلمة «الاستشهادية» بدلاً من «الفدائية» كما حل مصطلح «الجهاد» بدلاً من مصطلح «النضال» او «الكفاح المسلح». ومع اعلاء المصطلحات الاسلامية خلال الصراع اكتسبت القضية الفلسطينية زخماً جديداً تمثل في اعتبار الاسلام هو جوهر الصراع مع اليهود الصهاينة. وعلى مدار سنوات طويلة ـ ولاتزال ـ استطاعت «حماس» و«الجهاد» عبر لغة الخطاب الاسلامي إلهاب روح وعقل الشارعين العربي والاسلامي وخلق حالة ملتهبة ومستديمة من الحماس والتعاطف مع كل العمليات الاستشهادية باعتبارها انسب سلاح تمتلكانه في مواجهة اسرائيل. وفي الجانب الاخر كانت اسرائيل تطور مصطلحاتها الاعلامية وفقاً لطبيعة كل مرحلة ففي مقابل مصطلح «الفدائي» صكت مصطلح «المخرب». ومع ظهور العمليات «الاستشهادية» اطلقت عليها وصف «الانتحارية» ثم تطورت الى «القتلة» وصولاً الى «الارهابيين». وهكذا تصادمت المسميات والمصطلحات عبر كل مرحلة الى ان برز الصدام قوياً ـ على ارضية احداث سبتمبر ـ بين مصطلح «الاستشهاديين» ومصطلح «الارهابيين». واستغلت اسرائيل دخول الولايات المتحدة على الخط وعملت على اطلاق مصطلح «الارهابيين» وتسويقه على اوسع نطاق في مقابل حصار ومصطلح «الاستشهاديين» او «العمليات الاستشهادية». ومارست الولايات المتحدة ورئيسها دبليو بوش ضغوطاً هائلة على الدول العربية من اجل تجريم العمليات الاستشهادية، بل اعتبرت ان اطلاق مصطلح «الاستشهاديين» او «الشهداء» على منفذي هذه العمليات تحريضاً على «الارهاب». وحدد دبليو بوش اسماء دول عربية بعينها ودعاها الى تجريم هذه العمليات. كما تحرك الدبلوماسيون والسفراء الاميركيون في عدد من الدول العربية واتصلوا ببعض المراجع الدينية في محاولة لانتزاع فتاوى يتم بها نسف الاسانيد الشرعية التي ينطلق منها «الاستشهاديون». ولكن محاولات الاختراق الاميركي منيت بفشل ذريع على المستوى الديني، اذ لم تجد الولايات المتحدة عالم دين واحداً يسوغ لها ما تريد، فقد وصف كل العلماء الثقاة ان هذه العمليات هي عمليات استشهادية ولا يمكن التشكيك في شرعيتها. وكان اخر هؤلاء هو مفتي مصر الدكتور احمد الطيب الذي رفض رفضاً مطلقاً وكاملاً طلباً من هذا النوع تقدم به السفير الاميركي بالقاهرة. اما على المستوى السياسي ، او بالادق المستوى الرسمي العربي فمن الواضح ان الاختراق الاميركي نفذ حتى العظم، اذ استجابت ـ مؤخراً ـ دول عربية للطلب الاميركي والزمت وسائل الاعلام الرسمية بها الى استخدام مصطلح «العمليات الفدائية» بدلاً من «العمليات الاستشهادية». ويبدو ان هذه السلطات العربية التي عادت الى مصطلح «الفدائية» رأت فيه خروجاً من المأزق المزدوج بين الضغوط الاميركية والحرج امام الشعوب. والخطورة هنا ليست فقط في تفريغ الصراع من جوهره الديني، وانما ايضاً في تفريغ القضية ـ تدريجياً ـ من بعدها الشعبي المسلح بالدين، فمصطلحات مثل: «الجهاد» و«الاستشهادية» و«الاستشهادي» لها مفعول السحر في القلوب وعلى العقول تؤدي الى شحن الجماهير وشدها الى دائرة، بل بؤرة الصراع مع العدو الاسرائيلي، فكل مسلم لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، وكل مسلم مطالب شرعاً بالجهاد دفاعاً عن الاقصى وفلسطين بنفسه فإن لم يستطع فبماله. ولعل الخطر الاكبر في هذه الاستجابة العربية تمثل في عجز هذه النظم العربية عن الصمود امام الضغوط الاميركية في قضية شرعية مسلحة بنصوص القرآن والاحاديث النبوية وفتاوى الفقهاء. ومن ثم فإن كل الطموحات التي كانت تحدو البعض لابعاد النظام الرسمي العربي عن الغرق في مصطلح «الارهاب» الفضفاض تبخرت وتبعثرت اية امكانية عربية لرفض التعريف الاميركي، او امكانية الخروج عليه او وضع اية تعريفات عربية يتبناها النظام العربي خارج المفهوم الاميركي لـ «الارهاب». والانكى ان هذا الاستسلام العربي يعطي مؤشرات قوية وخطيرة على ان ما تريده اميركا على مستوى المناهج الدراسية من تغييرات سوف يلقى استجابة عربية، وسوف ينفذ رغماً عن الجميع. والخوف ان تنتقل هذه العدوى الى دول عربية اخرى فيتم تعميم المصطلحات الاميركية على القضية الفلسطينية وعلى العرب رغماً عنهم. والخوف ان يتطور الامر ويزداد سوءاً فتأمر الولايات المتحدة وتنفذ الحكومات العربية بأن تضع في بطاقات الهوية امام خانة الديانة كلمة «ارهابي» بدلاً من «مسلم»!