ايهما انفع للمجتمع العربي، ان يواصل الفرد تعليمه حتى الوصول الى مرحلة الاهلية للعمل ام يتسرب من التعليم لمواجهة ظروف الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي تجبر الفرد على ركوب الصعاب التي يكرهها ولكن يمارس دور البطولة فيها. مشاكل الامة العربية لا حصر لها الا ان اكبرها اثراً على التنمية المستدامة فيها يكمن في التعليم كمحرك اساسي لكل القطاعات الاخرى، فكل عطب يصيب هذا التعليم رأساً ينتقل الى ما بعده ولو لم نلاحظ ذلك فوراً. وتنشر الدراسات تلو الاخرى عن اشكالية التعليم المنقطع والذي يخوض غمارها الملايين من الافراد سنوياً من اجل الحصول على لقمة العيش ولا نقول الوظيفة المناسبة التي ترفع من شأن الانسان بقدر ما يرضى بالدون احياناً حتى يعيش فقط. نشكو مراراً من الامية المتنوعة التي نعاني منها فكرياً وعلمياً وحرفياً والعرب على رأس القائمة مقارنة بجميع شعوب الارض وهم امة الكلمة، ومع هذا نجد بأن الخط البياني لهذه الامية المتعددة الاوجه في انحدار لا يسر احداً، الا من يرى في ذلك وسيلة سيئة لبقاء الحال على ما هو عليه حفاظاً على مكتسباته في هذا الجو من الجهل المتراكم. كل يوم تصدمنا الدراسات العلمية بمعلومات متجددة عن هذا الوضع تجاه التعليم بشكل عام، فالأجدد منها تقول ان هناك نحو 10 ملايين طفل تسربوا من التعليم الى سوق العمل في المنطقة العربية والسبب في ذلك يعود الى حجم التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، واستمرار الفجوة التنموية في العالم. هذه عودة الى مشكلة اكبر الا وهي الارتجاع الى الامية، بمعنى اضافة عبء اخر على جهود رجال مكافحة الامية في الوطن العربي بكل اقطاره. عشرة ملايين طفل وليس رجلاً يغادرون قاعات الدراسة ليعملوا ماذا او اين؟ ترى هؤلاء الاطفال بلا شهادات ولا خبرات ولا مضادات حيوية تنقذهم من براثن المشاكل الاجتماعية المستعصية كيف يواجهون مصيرهم، بعد عملية التسرب القسرية التي تجرى لهم ولا يملكون خياراً اخر ولو على شكل مساعدات اجتماعية يسيرة تثبت من قلوبهم واقدامهم حتى نهاية السلم التعليمي الرسمي سواء في مرحلة الابتدائية العليا او الثانوية ولا نقول الجامعية لان شروطها بدأت تقصم ظهور الجمال كلما سعت المؤسسات التعليمية الى رفع نسب القبول فيها لتصفية المجتمع ثم تخليتها من كل نافع لا يطلب منه الا الدرجات العلا والا يبقى في مكانه بدون سر. تلك الدراسة تشير الى اماكن تسرب هؤلاء ومن ثم استقرارهم في مواقع لا يملكون سلاحاً للتعامل معها وفق الاسس العلمية المعروفة ما ادى الى ارتفاع عمل الذكور من الاطفال في مصر في الورش الميكانيكية لتصل الى 46.2% اما الفتيات فتصل نسبة عملهن في المواد الكيماوية 54.72% وافران الزجاج 32.8% رغم ما تمثله هذه الورش من خطورة عالية على هؤلاء الاطفال نتيجة استخدام مواد ضارة مثل ماء النار والغازات والمعادن والخيوط القابلة للاشتعال. ما ذنب هؤلاء الاطفال وهم يتحملون في عمرالزهور مسئوليات لا قبل لهم بها ولا هم مطالبون بادائها لأن عمر السبع وضعفه مخصص في كل دول العالم المتقدم للعب واللهو البريء، وليس للعب بالنار كما هو حال هؤلاء الملايين ممن لم يبلغوا سن التكليف لأي امر لا ديناً ولا قانونا. فالعلم بدراسته يقول شيئاً ويحذر من اشياء يجب تداركها ولو بقليل من المال الذي يصرف في ساعة واحدة تنقل خلالها احدى مباريات كأس العالم، فالتعليم اولى ان يتقدم على هذا الذي نلتف حوله اكثر من التفافنا حول انفسنا التي تكاد تضيع بين ركام التسرب والعودة الى الامية والارتجاع الى الجهالة مرة اخرى فهل لهذا العلم من سامعين؟! E-Mail: DrAbdulla@albayan.co.ae