أليس عجيباً ان أيا من القوى الدولية التي تبذل جهوداً متصلة للوساطة بين الهند وباكستان تعزف عن نقل القضية الى ساحة مجلس الامن الدولي؟ لكن ربما كان الاعجب عزوف الحكومة الباكستانية نفسها عن التدويل. الهند ترفض التدويل انطلاقا من سياسة ثابتة لانها تعلم علم اليقين ان تعريض النزاع الهندي الباكستاني الى وساطة دولية سوف يؤدي بالتداعي الى فتح ملف القضية الجذرية التي افرزت النزاع المتجدد: قضية مصير شعب كشمير، ولان الهند تعلم ايضا ان الوجود العسكري والاداري الهندي على أرض جامو وكشمير وجود غير مشروع من منظور مباديء القانون الدولي، فإنها تتخذ موقفاً ثابتاً متصلباً ضد اي محاولة من اي طرف خارجي لفتح ملف القضية. تأسيساً على هذه الحقيقة فإن عزوف القوى الدولية التي تعرض نفسها الآن كوسيط بين الدولتين المتنازعتين عن نقل القضية الى الأمم المتحدة يعتبر عملياً انحيازاً للموقف الهندي، بل ان هذه القوى الدولية ـ خاصة الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا ـ تردد ما يصدر عن الحكومة الهندية من اختزال فاضح للقضية موضع النزاع في مسألة ثانوية يطلق عليها «التسلل» أو «الارهاب عبر الحدود». واذا كان من المفهوم ان تلجأ الهند الى هذا الاسلوب الاختزالي للتغطية على نقطة ضعفها القانونية فيما يخص مستقبل ومصير كشمير، فإن تبني قوى دولية لهذا الاسلوب الانحرافي ليس له تفسير سوى ان هذه القوى الدولية قررت عن عمد وسبق اصرار وضع حد للنزاع القائم لصالح الطرف الهندي على حساب باكستان، ولذا فإن الوساطة التي تقوم بها هذه القوى لا يمكن بحال من الاحوال ان تعتبر وساطة حيادية نزيهة. فأحد اهدافها هو مساعدة الطرف الهندي على تفادي انتقال القضية الكشميرية الى ساحة التحكيم الدولي. ولكن لماذا تبدي الحكومة الباكستانية، والحال كذلك، تجاوباً مع جهود هذه القوى الدولية؟ بكلمات اخرى: لماذا تعزف حكومة الجنرال مشرف من ناحيتها عن نقل قضية كشمير الى مجلس الامن الدولي؟ ربما يقال ان الحصافة الدبلوماسية تقتضي من الحكومة الباكستانية ألا تفعل ذلك، فوضع قضية كشمير على مائدة مجلس الامن الدولي قد يؤدي الى احراج الولايات المتحدة «والقوى الدولية الاخرى المشار اليها». ان مثل هذا التبرير مفهوم ومعقول بمعايير الكر والفر في العمل الدبلوماسي لو انه طرح قبل «11 سبتمبر». في اعقاب احداث التفجيرات الزلزالية في الولايات المتحدة في 11 سبتمبر وما تبعها من زلازل سياسية هزت العالم بأسره، تجاوبت حكومة الجنرال مشرف مع الولايات المتحدة فدخلت معها في تحالف استراتيجي في اطار «الحرب ضد الارهاب» والمخاطر والخسائر الجسيمة التي تجشمتها باكستان في سبيل المشاركة في هذا التحالف والاستمرار فيه لا تحصى. والآن وفي خضم التوتر الراهن المتعاظم بين باكستان والهند آن الأوان لان تطالب حكومة مشرف الحليف الاميركي للوفاء بحصته في الصفقة ـ لا الانحياز للموقف الهندي كما هو حاصل فعلا. وفي هذا السياق يملك الجنرال مشرف ورقة مصيرية، فالولايات المتحدة تعلم علم اليقين ان مشروع الحرب المستمرة «ضد الارهاب» سوف ينهار من اساسه لو انتهى الدور الباكستاني في المشروع. ولو حدث ذلك فعلا فإنه سوف يعني حتما نشوء ظرف جديد تماما في كل من باكستان وافغانستان لعودة «طالبان» و«القاعدة». ومن بين احتمالات انتهاء الدور الباكستاني في «حرب الارهاب» ان تأتي هذه النهاية على يد الهند في حالة هزيمة باكستان اذا وقعت الحرب المرتقبة بين طرفي النزاع، فإما ان تكون حربا بالاسلحة التقليدية وفي هذه الحالة سوف تكون محسومة لصالح الطرف الهندي. وإما تكون حرباً نووية لا تبقي ولا تذر شيئاً في البلدين. وأياً يكون نوع الهزيمة فإنه سوف يعني عجز باكستان عن مواصلة دورها في الحرب الاميركية ضد «الارهاب». ولأن الجنرال مشرف يعلم ذلك فإن هذا العلم في حد ذاته يمثل ورقة دبلوماسية قوية. وليقل مشرف لجورج بوش الآن: اذا كنتم تريدون استمرار دور باكستان في «الحرب ضد الارهاب» وبالتالي الحيلولة دون عودة طالبان و«القاعدة» فلتوافقوا على نقل قضية كشمير الى مجلس الامن الدولي وتأييد الشعب الكشميري.