كل أربع سنوات تعيش معظم شعوب العالم حدثا فريدا يتمثل في ما يسمونه دورة «كأس العالم» أو «المونديال» تأثرا باللغتين البرتغالية التي تتحدثها البرازيل والاسبانية التي تتحدثها أميركا اللاتينية التي فازت تاريخيا بكأس العالم وحضور معظم فرقها في دورات تلك المسابقة، وأقول معظم شعوب العالم لأن هناك شعوبا لا تكاد تهتم بهذه اللعبة كثيرا، ومن بينها الشعب الكوري الذي تقام بعض مراحل مسابقة هذا العام على أرضه، وحتى لا يشذ أحد عن تلك القاعدة يتم تجنيد جميع وسائل الاعلام خلال الشهر الذي تجري فيه المسابقة حتى تصبح الأحداث الجسام التي تواجهها «الكرة» الأرضية لا قيمة لها مقابل ما يحيط بتلك الكرة الأخرى «كرة القدم»، وهو ما نعيشه الآن، فالعيون مشدودة الى شاشات التلفزيون المتنقلة ما بين كوريا واليابان وكأنهما مركز الأحداث، فيما لا نكاد نرى أو نسمع الكثير عن «الحرب النووية» التي توشك على الانفجار بين الهند وباكستان. شهر «الحمى» الكروية لا يأتي هكذا فجأة، بل تسبقه أشهر عديدة من الاستعدادات والتصفيات التي تبدو وكأنها تشرك الكون كله في هذا الحدث، أو تعد البشر لمواجهة أيامها العصيبة، ثم الاستعدادات النهائية التي تقوم بها المنتخبات «الوطنية» استعدادا للمرحلة النهائية لتلك المسابقة، وهي مرحلة مهمة من الناحية «التعبوية» لأنها تعد جماهير الأمم التي استطاعت الوصول الى تلك المرحلة لمواجهة مباريات تبدو وكأنها معارك «مصيرية» تحسم من يكون «البطل». خلال تلك المرحلة ما قبل النهائية تقوم كل دولة لها منتخب «وطني» أو «قومي» باعداد الجماهير وتعبئتها حتى يتحول الوطن الى مرجل يغلي، والوطنية تصبح «قميصا» يرتديه اللاعبون، وانتصاراتهم أو هزائمهم تعد وقائع تاريخية على الرغم من أنها تحدث على «مستطيل» أخضر، لا في ارض معارك حقيقية. بعض المنتخبات التي تصل الى المراحل النهائية نجد أن انتصاراتها وهزائمها لا تكاد تتناسب مع حجمها سكانيا أو حجمها انتاجيا، كثيرا ما يفوز منتخب لدولة «مجهولة» على خريطة السياسة الدولية، لكنها في النهاية انتصارات وهزائم يجب مكافأة من يحققها أو عقاب من يكون الخاسر فيها. هذا الاهتمام الاعلامي العالمي بالمراحل النهائية له وقع السحر لدى الجميع، وتنبهت لأهميته الأنظمة السياسية الحاكمة شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا، ولا استثناء بينها، ولا خلاف في هذا بين نظام ديمقراطي وآخر دكتاتوري، لأن الفوز في تلك المراحل النهائية يمكن أن يصلح للتغطية على مساوئ الدكتاتورية المنتشرة في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، وأيضا يصلح لاخفاء الفساد الذي بات ينخر في النظام الديمقراطي الذي يغطي معظم النصف الشمالي للكرة الأرضية. لو تابعنا هذه المسابقة في دوراتها السابقة التي جرت قبل الدورة الحالية التي تتفرد على غيرها بمقاسمة دولتين لأول مرة في تاريخها، كوريا الجنوبية واليابان، لاكتشفنا الى أي مدى أصبحت لعبة بريئة مثل لعبة كرة القدم سلاحاً مهماً لا يجب اغفال البصر عنه، نجد مثلا بريطانيا، مهد هذه اللعبة، تكاد تعتبر وصول فريقها الى المراحل النهائية مسألة حياة أو موت، لأنها من خلال حضورها في المراحل النهائية لكأس العالم تستعيد أمجادا مضت، واستعادة بعض الشمس التي غربت عن امبراطوريتها، ويصل الاهتمام باللاعبين وكأنهم «جنرالات» المعارك الحاسمة، الى حد أن اصابة نجم فريقها القومي «ديفيد بيكهام» خلال مباراة في مسابقة أخرى قبل شهر مضى تحول الى مسألة «سياسية»، لأن الاصابة نتجت -بمحض المصادفة- عن تصادم مع لاعب ينتمي الى الفريق القومي الأرجنتيني، أحد الفرق المنافسة للفريق الانجليزي خلال المرحلة الأولى لمونديال كوريا واليابان. هذه الاصابة التي تحدث مثلها كل يوم على أرض الملاعب وجدت من يضخمها ويستخدم فيها أسلحة مختلفة، فوجدنا من يرى أن تلك الاصابة «متعمدة» بهدف اضعاف الفريق الانجليزي، وهناك من طالب بعقاب اللاعب الأرجنتيني بمنعه من اللعب مع منتخب بلاده القومي لأنه تعمد احداث هذه الاصابة لأن النجم الانجليزي يعتبر قوة ضاربة تخشاها الأرجنتين (؟!)، وهناك من وصل في اتهاماته الى أبعد من هذا، وتذكر وذكرنا جميعا بأن الأرجنتين لا تزال تحمل ضغينة مبيتة وتريد الانتقام من هزيمتها على يد «جيش» مارغريت تاتشر خلال حرب «الفولكلاند» عام 1981. في اطار الاستخدام السياسي أيضا لاصابة لاعب المنتخب الانجليزي قامت الملكة «شخصيا» بزيارة نجمها المصاب، هناك من يقول ان الملكة تريد الاطمئنان على صحته، وهناك من يرى أن الزيارة الهدف منها استعادة «شعبيتها» التي انخفضت كثيرا بسبب تصرفات أفراد عائلتها المالكة، فكانت خلال تلك الزيارة وكأنها تقوم بتدشين لحاملة صواريخ عابرة للقارات على وشك دخول معركة حاسمة. أما البرازيل التي حققت أعظم انتصارات في عصر نجومها بيليه وجارنشيا وغيرهما لا يتناسب حجم انتصاراتها في هذا المجال مع حجم وجودها السياسي أو الاقتصادي عالميا، وربما من هنا كانت تسمية عصر بيليه بالعصر الذهبي، لأنها لا تستطيع أن تحقق عصورا ذهبية أخرى في أي مجال، فهي دولة تنتمي الى العالم النامي، أو العالم الثالث، أو العالم المتخلف، فأي من تلك المسميات تعني الأخريات، وكلها في النهاية مسميات تؤكد على التخلف الاقتصادي والصناعي والفني، ومع ذلك فان كل هذا لا يهم. السياسيون البرازيليون يتباهون بتقدمهم في مجال كرة القدم، وأيضا في اقامة مهرجانات «السامبا» السنوية التي لا يستطيع أن يضاهيهم فيها أحد، وهذا من وجهة النظر السياسية يكفي، لأن هزيمة في أي مجال مسألة فيها نظر، أما هزيمة منتخبها «الوطني» فهو «كارثة» يجب تجنبها بأي شكل من الأشكال. لم تكن الأرجنتين بأقل من جارتها البرازيل، فقد انتبهت الأنظمة السياسية الدكتاتورية التي تعاقبت على حكمها خلال القرن العشرين الى أي مدى يمكن استخدام كرة القدم في الهاء الشعب عن مشاكله، وكان أول من خطط لهذا الاستخدام الجنرال بيرون الذي قرر أن تكون الكرة هي لغة التقدم في بلاده منذ الأربعينيات، بدلا من لغة التقدم الصناعي والتجاري. عندما استضافت الأرجنتين تصفيات كأس العالم عام 1978، لم تكن تلك الاستضافة بعيدة عن تحقيق هدف سياسي، بل هناك من يرى أن أوروبا والولايات المتحدة كانوا وراء هذه الاستضافة في محاولة لدعم حكم «الخونتا» العسكرية التي وان حقق منتخبها الوطني الفوز بهذه الكأس لأول مرة في تاريخه، الا أن فترة حكم هؤلاء العسكر تركت أكثر من مائة ألف ما بين سجين ومغتال من المعارضين السياسيين، وهناك ثلاثون ألفا منهم في عداد «المفقودين»، لا يعرف مصيرهم أحد حتى هذه اللحظة. وحاول الرئيس كارلوس منعم في عهد الديمقراطية استخدام النجم الساطع «مارادونا» لتحقيق أهداف سياسية تغطي على الفساد المنتشر في الأرجنتين على عهده والذي كانت نتيجته المأساة التي تعيشها البلاد التي كانت تعتبر مخزن قمح ولحوم العالم ولا تستطيع اليوم تحقيق احتياجات شعبها من الطعام. لكن مارادونا كان قد كبر وتحول الى نجم ليس في حاجة الى سياسي يلمع الى جواره. حاليا تضع حكومة الأرجنتين يدها على قلبها لعل منتخبها يحقق المفاجأة ويفوز بهذه الكأس للمرة الثالثة فينسى الشعب جوعه وفقدان مدخراته والأزمة التي تعصف بمستقبل أمته لبعض الوقت، انه مجرد حلم لكنه ليس مستحيلا لو طالعنا نتائج مباريات الدورة الأولى حتى الآن. ما تحقق من نتائج حتى الآن كان غريبا: فرنسا تخسر أمام السنغال التي تدخل نهائيات كأس العالم لأول مرة في تاريخها، فيرقص رئيسها وسط الجماهير وكأن بلاده حققت انجازا اقتصاديا أو علميا فريدا، ولو نظر الرئيس السنغالي للجماهير الراقصة من حوله وشاهد ملابسهم المهلهلة ووجوههم لخجل من نفسه ومن حكومته التي ترى في فوز فريق كرة القدم كل هذا التفاخر لمجرد أن الخصم هو القوة الاستعمارية القديمة فرنسا، ترى هل هو انتقام العاجز (؟!). أما فرنسا فقد كانت هزيمة فريقها في مباراته الأولى أمام السنغال مأساة للرئيس جاك شيراك، هذا الفريق الذي اعتبر فوزه قبل أربع سنوات بدورة مونديال باريس نموذجا لاندماج المهاجرين في المجتمع الفرنسي، لأن معظم لاعبي الفريق الفرنسي من أبناء الأجانب، وعلى رأسهم النجم الجزائري الأصل «زين الدين زيدان»، ولو خرجت فرنسا من هذا الدور خاسرة ستكون تلك الخسارة ورقة سياسية رابحة في يد المتطرف اليميني «لوبن» الذي يعرف أن فرنسا ستنسى أبطال الأمس وتتذكر آباءهم المهاجرين الذين يجب طردهم من البلاد لأنهم مرغوا «كرامة فرنسا» في الوحل بفشلهم في الدفاع عن لقبهم الذي حققوه قبل أربع سنوات مضت. خوسيه ماريا ازنار رئيس وزراء اسبانيا والرئيس الحالي للمجلس الأوروبي قطع حديثا صحافيا ليهاتف مدرب فريقه الوطني مهنئا بالفوز الأول الذي يعتبر حدثا تاريخيا، الفريق الاسباني يفوز في مباراته الأولى لأول مرة منذ عام 1950، ولا يهم ما يحدث بعد ذلك، وربما لو فاز فريقه بكأس هذه الدورة لاعتبره السياسي الاسباني أحد أمجاده الخاصة، باعتباره رئيس وزراء البلاد، لأن الفريق الاسباني لم يحصل من قبل على هذه الكأس على الرغم من أنه كان دائما من بين المرشحين الأبديين للفوز بها، انها مسألة سياسية بالدرجة الأولى. أيا كان الأمر فان العولمة الاقتصادية تقف أيضا بكل ثقلها وراء «كرة القدم»، باعتبارها «مقياس درجة حرارة» الاقتصاد، والمال بكل ما يحيط به من شبهات في هذا الزمان ليس غريبا ولا بعيدا عن دورة المونديال الحالية، واختيار كوريا الجنوبية واليابان له مغزاه، فأي من الدولتين ليس له تاريخ كروي ليفوزا معا باستضافة هذه الدورة. بل أن ما أحاط بالانتخابات التي جرت قبل يوم الافتتاح لاختيار رئيس «الفيفا» دليل على أن رأس المال لا يقف بعيدا، فقد فاز «جوزيف بلاتر» بالتجديد لفترة ثانية على الرغم من وجود الكثير من شبهات بالفساد المالي الذي أحاط برئاسته خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، حيث تغلبت العولمة والسياسة على «الديمقراطية» المفترضة في هذه المنظمة التي تدير سيرك المونديال كل أربعة أعوام. بل هناك فساد أكبر يتم في الخفاء والحديث عنه ممنوع، وربما كانت المباراة التي خسرت فيها تركيا أمام البرازيل أحد الدلائل الدامغة على وجوده، لأن خروج فريق مثل البرازيل من الدورة الأولى يفقد المونديال التشويق وهذا ينعكس بالتالي على الدخل المالي الناتج من اندفاع الجمهور ووسائل الاعلام للتغطية، لذلك اختاروا حكما «محليا» مستعد لمد يد المساعدة لانقاذ الدورة، خاصة بعد هزيمة فرنسا غير المتوقعة في مباراتها الأولى. اذا كانت السياسة تطوع الدول الصغيرة لخدمة مصالح الدول الكبرى على سطح الكرة الكبرى، أي الكرة الأرضية، فلم لا يكون الأمر كذلك فيما يختص بالكرة الصغيرة، أي كرة القدم، التي تختزل الوطنية في شكل قميص ملون على مستطيل أخضر مسموح فيه للدول الصغرى بالمشاركة، بل والفوز لأنه قد يرضي غرور شعوبها فتغمض أعينها عما يحدث على سطح الكرة الكبرى. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا