إذا أردت ان تعرف سرّ نجاح شخص أعجبت به فما عليك إلاّ أن تمعن التفكير في طبيعة علاقته بعمله ومدى اهتمامه به ونظرته اليه. وسرعان ما سوف يتكشف لك ذلك الارتباط والتناغم بين هذا الشخص ومهمته التي اسندت اليه على صورة تغريك بالتصفيق له، وتجعلك تقف له إجلالاً وتقديراً. وكيف لا تفعل ذلك ومثل هذا الشخص يبعث فيمن حوله الحماس، ويجدّد فيهم العزم ويمنحهم فرصة عملية ليروا بأعينهم عن كثب صورة ذلك الشخص المتعانق مع هدفه الكبير، المنسجم مع متطلبات ادواره في الحياة. ولأنك لم تسمع يوماً عن ملول نجح وبرع في ميدان عمله، فلن تجد للملل مكاناً في حياة هذا الانسان ولأنك لم تسمع عن ثقيل للظل، بارد في المشاعر متصنع في أقواله وأفعاله ترك للانسانية علماً بعد رحيله، أو افتقدته الحياة بعد غيابه فإنك لن ترى لصاحبنا الذي أصفه لك صورة تنم عن ثقل في الظل، أو برودة في المشاعر تجاه الآخرين.. حتماً ستجد روحاً منطلقة ونفساً تقدر العمل وتحترم العاملين. وممن تحدث عن هذه العلاقة المتميزة بين العمل والانسان الناجح العالم الشهير توماس أديسون حين قال في كلمته الفذة: «يظن الناس اني كنت اتعب وأنا منهمك بأبحاثي ودراساتي، لقد أخطأ الناس في تقدير حالتي تلك فلم أحس يوماً بالتعب انما كنت ألهو الساعات الطوال وهل يتعب من يلهو ويلعب؟!». هذه الجملة المختصرة التي أوردت معناها تلخص حقيقة مشاعر أولئك الرواد الذين يتميزون على سواهم بشفافية الروح وانطلاقة العقل باتجاه الانجاز ولا شيء غير الانجاز. ولقد شاهدت نموذجاً حياً لتلك الروح المقبلة على العمل برغبة ذاتية وإرادة صادقة يتجسّد في سلوك طبيبة مواطنة تعمل في احد المراكز الصحية بمدينة دبي. فما أن دخلت حتى ردت التحية بأحسن منها، وبوجه باسم واهتمام ملحوظ اخذت تسأل عن طبيعة الشكوى ضاربة عرض الحائط بالطريقة التقليدية للحوار السائد بين الطبيب والمريض من خلال الأسئلة الاستقصائية العديدة التي كانت توجهها لي وكأنها تريد ان تمسك بخيوط المشكلة في جلسة واحدة، وكأي محقق محترف لم تكن تفوّت شاردة ولا واردة إلا وسألت عنها عساها تفهم طبيعة المشكلة بسرعة موفرة على مرضاها وقتهم ومعاناتهم. لقد سادت أجواء ايجابية في ذلك المكان وأنا أتأمل هذا السلوك الواعي وهذه اليقظة في أداء الواجب على نحو جعلني أتساءل لماذا لا يبدي العديد من الأطباء مع مرضاهم من الاهتمام ما يماثل اهتمام هذه الطبيبة المواطنة. ومما يؤكد حرصها الشديد على راحة مرضاها ما حدث اثناء المقابلة الطبية حين طرقت الباب سيدة في منتصف العمر واعتذرت عن ضيق وقتها وطلبت من الطبيبة اجراء بعض الفحوصات الطبية العاجلة. وبنفس الابتسامة، وبذات الاهتمام طلبت منها ان تناولها البطاقة الصحية ولبت لها ما تريد. قبل ان أغادر المكان علمت منها انها قد تلقت عرضا من دائرة صحية اخرى لتتولى منصباً ادارياً مع مزاولتها لمهنة الطب، ولكنها ردت على ذلك الطلب بالاعتذار لكونها كما عبرت عن نفسها ما زالت بحاجة لأكبر وقت ممكن لتمارس الطب ولتتعلم من الخبرات الطبية الموجودة بالمركز الذي تعمل به في الوقت الحاضر. ومن جديد تأكدت الصورة التي بدأت تظهر ملامحها بشكل أكبر بأن هذه الطبيبة جادة ـ بشكل لافت ـ لتنمو وتتطور في رحلتها مع هذه المهنة التي يبدو ان لديها الكثير لتؤديه من خلالها. صدقاً تمنيت لو كان هناك ملف للزوّار لكتابة الملاحظات، إذن لكتبت للمسئولين بأن يعتنوا بهذه الطبيبة لكونها مشروعاً ناجحاً لطبيبة فوق العادة تمتلك حساً عالياً وطموحاً هائلاً، وهو ما يحتاجه الوطن وينتظره الإنسان.