في حديث خاص مع مساعد وزير الخارجية الاميركي الاسبق ورد ذكر اهمية اسرائيل لاميركا او العكس وايهما اهم في المعادلة السياسية ، التي نشعر من خلالها «بالظلم» الواضح لمصالح العرب في اهم قضية يدار الصراع من اجلها، فلسطين او القدس دون الفصل بينهما. الكلام في السياسة الاميركية بحاجة الى فهم خاص لما يفكر فيه الجمهور والنخبة، فما يؤمن به الاول قد لا يتوافق مع مطالب السياسيين الذين قد لا يلبون نداءات البرامج الانتخابية التي يملأ فراغاتها الحماس للحصول على اعلى الاصوات. هذه المفارقة العملية لها تأثير على مجريات الامور بين اسرائيل واميركا مع وجود سياسة ثابتة بين الطرفين ومخالفة لتوقعات الطرف العربي في نزاعه مع الصهيونية التي تفعل في الاراضي المحتلة فعل الشناعة وزيادة. والاكثر من ذلك، عندما تتوارد الاخبار عن جزئيات العمل التعاوني بين اميركا واسرائيل بخصوصيات قد لا نتوقعها، فأميركا التي تملأ حاجات العالم بها، اتى عليها الوقت لكي تستفيد من خبرات اسرائيل التدريبية، وهي الام الراعية لمصالحها في العالم اجمع والمدافع عن حق وجودها الشرعي في قلب العالم العربي الذي تحول الى ازمة متأزمة فيه. وحاجة اميركا تكمن من واقع العمليات «الانتحارية» التي تنفذ في مسمع ومرأى حصن الامن الاسرائيلي الهش، رغم كل الاجراءات الامنية المعروفة وغير المعروفة لدى العامة، الا ان العمليات صارت صبغة او وجبة يومية لا تستغني عنها اسرائيل مكرهة ومجبرة، وكل الاجراءات التي اتبعت لم توقف اوارها. هذه البيئة «الانتحارية» الفريدة اثارت في اميركا فضول المعرفة الدقيقة لهذا الفن الجديد من اجل الوقاية الامنية والسياسية منها قبل الوقوع في شرها على غرار هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001م. وعلى هذا الاساس، تقوم هذه الايام مجموعة من المحققين في شرطة نيويورك باجتياز دورات اسرائيلية تساعدهم في الكشف عن «العمليات الانتحارية» والتحقيق في مجرياتها. فقد تم استدعاء خمسة وكلاء من وحدة محاربة الارهاب ووحدة المخابرات في شرطة نيويورك للمشاركة في مؤتمر خاص حول العبر التي تم استخلاصها من «العمليات الانتحارية». وهي المرة الاولى التي ترسل فيها شرطة نيويورك ممثلين عنها للمشاركة في دورات استكمالية لدى دولة اجنبية واكد قائد شرطة نيويورك ان مندوبيه الى المؤتمر هم قوة الشرطة الاجنبية الوحيدة التي تلقت دعوة كهذه وقال ان افراد الشرطة سيقومون بعد عودتهم الى اميركا بتدريب اقرانهم في شرطة نيويورك، بناء على ما اكتسبوا من معلومات في اسرائيل. الدولة الاولى في العالم تذهب مختارة الى بؤرة الصراع في الشرق الاوسط لتتعلم من هناك فنون القتال ضد «الانتحاريين» حفاظاً على مستقبل امنها الاستراتيجي والذي تعرض لنكسة كبيرة لم تعالج منها الى الان. يقال في المثل الدارج بأن المحتاج مغلوب على امره ويرضخ احياناً لشروط من هو دونه اذا لم تتوفر الحاجة لديه، في حين ان تبادل المعلومات والمعرفة بين الكبير والصغير عظمة وسيادة لا يعني الاقلال من شأن الاخر وهو الاكبر. اميركا على مكانتها في العالم لا تستنكف ان تتعلم من «طفلها المدلل» شتى فنون المعرفة التي زرعت في ارضها الخصبة بالعديد من «العمليات الانتحارية»، وياليت هذا النوع من العداء المعرفي ينتقل الى العالم الثالث ليصبح في يوم ما بييت صغير لتصدير الخبرات النافعة فيما بينها بدل الخبرات التي تتناقل من اجل تطبيق الخناق على الشعوب وكتم انفاسها اكثر من اللازم.