تحتفي الصحف الكبرى ببريد القراء، وتضعه على قمة اهتمامها، وتخصص له أقدر محرريها، المشهود لهم بالكفاءة المهنية؛ وسعة الثقافة الموسوعية وتخصص له صفحات يومية واسبوعية، ادراكاً منها ان رسائل القراء هي المعيار على سعة الانتشار، وأحد مداخل التحرير التفاعلي، واداة فاعلة في الحوار المباشر مع القارئ، صاحب المصلحة الاولى في وجود الصحافة. وتتنوع اهتمامات بريد القراء، لتشمل اضافة الى الهم الخاص تقويم تغطية الصحيفة للاحداث الكبرى والقضايا المثيرة للخلاف والجدل، وتصويب ما يتخلل صفحات الجريدة من اخطاء سواء كانت مطبعية او معلوماتية او تاريخية. ولخطورة دور بريد القراء في رسم السياسة التحريرية للصحف، استغله اللوبي الصهيوني كأداة ضغط على كبريات الصحف الاميركية والاوروبية لاتخاذ موقف منحاز لاسرائيل في صراعها مع الشعب الفلسطيني، واجبار تلك الصحف التي اظهرت قدراً معقولاً من الموضوعية والنزاهة في تغطيتها لوقائع العدوان الاسرائيلي الاخير على مدن الضفة الغربية وغزة، وما تخلله من مذابح ومجازر للمدنيين، والاعدامات بدم بارد على طريقة الارهابيين الصهاينة الاوائل. اول من كشف اللعبة الصهيونية الجديدة محرر بريد القراء في صحيفة «الجارديان» البريطانية الرصينة، اثر تلقي الصحيفة سيلاً من رسائل الاتهام لمراسلي الصحيفة في الاراضي الفلسطينية، تدمغهم بالانحياز للعرب وتبني مواقف معادية للسامية، وهي تهمة مثيرة للرعب وتؤدي الى تجريد من تثبت ضده من حقوقه، وتضعه في قفص الاتهام مع عتاة الارهابيين وتجعله يقضي بقية عمره منبوذاً ، على خلفية عقدة اوروبا التاريخية ابان النازية، والتي اصبحت اسرع وانجع وسيلة ابتزاز سياسي، تدر على اسرائيل ومناصريها ارباحاً سياسية ومادية خرافية. ومن خلال سيل رسائل بريد القراء الالكتروني، اضطرت «الجارديان» للوقوف موقف الدفاع عن محرريها وسياستها التحريرية، ودفع تهمة معاداة السامية، بل والسعي لاسترضاء القراء او اللوبي الصهيوني المتخفي خلف رسائل بريد القراء. وفي معرض الترضية والدفاع اضطرت «الجارديان» لوضع كلمة المجزرة بين قوسين في وصفها لجرائم اسرائيل في مخيمات جنين وبلاطة والدهيشة. ولكن لم يصل الامر مع محرري «الجارديان» ومراسليها مثلما حدث مع روبرت فيسك الصحفي البريطاني القدير وخبير صحيفة «الاندبندنت» في الشئون العربية، والذي امطره القراء من اللوبي الصهيوني برسائل التهديد بالقتل، وانضم لهم نجم سينمائي اميركي شهير، كما اوضحنا من قبل في زاوية سابقة. اما في الولايات المتحدة الاميركية، فكان سلاح بريد القراء اكثر ترهيباً للصحف وشبكات التلفزيون والاذاعة، حيث لم يرض اللوبي اليهودي الاميركي بدرجة التحول النسبي للاعلام الاميركي من الانحياز المطلق لاسرائيل، الى التحلي بقدر من النزاهة، لاعتبارات مهنية، حيث رأى الاعلاميون باليقين انه من المستحيل التغطية على جرائم وارهاب الجيش الاسرائيلي التي تتم في وضح النهار، وامام كاميرات المراسلين من كل ارجاء العالم، وان الاستمرار في اغماض العين عن المذابح التي تبث صورها ويشاهدها العالم، سيدمر مصداقيتها. وبعد ان سكتت مدافع جيش الاحتلال نسبياً، بدأت مدافع بريد القراء من اللوبي اليهودي تدك الصحف وشبكات التلفزيون، وترعبها بتهمة الانحياز للفلسطينيين، وفرضت عليها استخدام الوصف الاميركي الرسمي للمقاومين منفذي العمليات الاستشهادية «الارهابيين»! على ان اسوأ توظيف لبريد القراء هو استخدام احد الكتاب له بشكل مصطنع لتمرير افكاره وتبرير مواقفه، وهو امر اختص به بعض الاشباه من عشاق البطولات الوهمية، الذين يمطرون انفسهم برسائل من صنع ايديهم، تشيد بهم او تحمل تهديدات ارهابية تضعهم ضمن كتيبة الاقلام الشجاعة وتضمن لهم الحصانة. وقدم توماس فريدمان الكاتب الاميركي نموذجاً صارخاً في مقاله «حرب الافكار» حيث انتحل رسالة لفتاة سعودية وصفها بالاعتدال تؤيد حملته على بلادها وتحريضه على تغيير الثقافة الاسلامية، وقولها ان هدف المؤسسة الدينية التعليمية هو زرع الحقد والكراهية لغير المسلمين، وهو امر غير صحيح لأن الاسلام وحضارته لم يشهد سوى التسامح والتفاعل مع الاخر ولم يؤسس سوى للحوار والدعوة بالموعظة الحسنة. وكم من الجرائم ترتكب باسم بريد القراء.