لا أعرف هل هو ذكاء أم جمود أن تصنع لنفسك قواعد خاصة بك؟ وأنا كنت من الذين وضعوا لأنفسهم قواعد تملأ صفحات وبعضها ربما اثار الإعجاب،، وبعضها بالتأكيد يثير الدهشة، وبعضها اعتقد انه يثير الضحك! ولكنني أظن ان هذه القواعد مهما كانت هي التي حمتني طول تلك السنوات. وأقصد بالحماية هذه الحماية الداخلية، فأنت اذا عملت في الحياة العامة تكون موضع سهام لا تعرف من أين أتت ولا لماذا أتت. ومن بين القواعد التي وضعتها لنفسي، وكان ذلك منذ نحو ثلاثين عاما الا أكتب مقالات أو دراسات اكتفاء بكتابة الدراما بكل ما ينضوي تحتها من قصة ورواية وفيلم وتمثيلية. واعتقد ان هذا يكفي أي كاتب. وربما كانت لي في نجيب محفوظ أسوة اذ ابتعد تماما عن كتابة المقالات الا فترات قصيرة لسنوات قليلة عندما تفرغ لجريدة «الاهرام» ولكن اهتمامي كان أكثر بيوسف ادريس الذي كتب مقالات مهمة وعلى مستوى فني رائع، وكان ذلك على حساب ابداعه الأدبي. ولسنوات طويلة جدا التزمت بالقاعدة. بل وضعت الى جوارها قاعدة أقسى هي الا أدلي بأي حديث صحفي أو تلفزيوني، علما انه لم يكن هناك الحاح كبير من هذه الجهات بأن أفعل هذا! لكنني تعرضت ذات مرة لما ضرب القاعدة الثانية كالزلزال، فلقد كتب اثنان من النقاد عن عملين لي في نفس الشهر، قال أولهما.. (ولأنه ماركسي فهو..) وقال الثاني.. (ومن الواضح انه ينتمي الى جماعة الاخوان المسلمين). وأحسست أن القاعدة الثانية تتهاوى، فلابد للكاتب أن يوضح نفسه أحيانا. أما القاعدة الأولى فظلت قوية لفترة. ثم بدأ إلحاح منذ أواخر الثمانينيات على أن أكتب في هذه الصحيفة أو تلك. وربما يكون السبب هو زيادة مجالات النشر من ناحية، واختفاء عدد من كبار الكتاب اما بالموت واما بالسكتة الابداعية! ويبدو ان المسئولين عن الصحف بدأوا يبحثون عن كتاب من نوع غير مألوف للمقالة الصحفية. ومنذ بدايات هذه الفترة وأنا أتلقى دعوات للكتابة في الصحف احداها كانت دعوة مغرية جدا من الناحية المادية. لكنني أحسست بالقلق تجاه الصحيفة. وتذكرت استاذنا يحيى حقي. وكان يكتب في صحيفة متواضعة مقالاً بأجر بسيط. وعرضت عليه احدى كبرى الصحف ان يكتب لها نفس المقال مقابل خمسة أضعاف الأجر. لكنه اعتذر ولما سألته عن السبب. قال لي: الصحيفة كالبيت. وأنت ترى بيتك أجمل البيوت. وليس هناك من سبب لأن تهجر بيتك حتى لو كان المقابل أكبر. هذا ليس مبررا. أنا مرتاح هنا! وكثير من قواعد حياتي التي اشرت اليها في بداية هذا الحديث مأخوذة من يحيى حقي، الذي قال فيما قال: الكتاب نوعان. واحد يكتب كثيرا لكن كتاباته كالخروب قيراط حلاوة وقنطار خشب. وواحد يكتب قليلا كأنه يخرط الماس فكن من هؤلاء! ومن يستطيع أن يكون وبعد اعتذارات امتدت بكثافة لسنتين اخترت الكتابة لـ «البيان» ولن تسمع مني مديحا في «البيان» وكيف اخترتها دون غيرها. ربما اليوم استطيع ان أقول هذا، لكن ساعتها لم يكن هناك ما يجعلني أفعل هذا. انضممت الى (الاستراحة) أحاول أن أكون في الصف مع زملائي وأنا الذي لا أحب الصفوف واقف عادة متأخرا، وأتمنى أن أكون متقدما. وكنت احس أن ما يحدث له فترة محدودة. فأنا لم أتخيل نفسي كاتبا منتظما. وبصراحة شديدة أنا أكره النظام، أنا فوضوي أصنع نظامي الخاص، واحترم جدا الفوضوية وأرى انها تعبير مظلوم. فما ان تذكر مثلا المذهب الفوضوي حتى تلمح ابتسامات السخرية، في حين انه مذهب سياسي عميق له تاريخ. صحيح انه تاريخ سيئ في الغالب، لكنه مبني على نظرية فلسفية. ولست هنا في مجال عرض رأيى في الفوضوية على حبي لذلك، ولعل الظروف تسمح بفرصة أكبر لكنني على أي حال لم أضع حقيبتي. ظللت احملها. احسست انني مسافر لن يستقر في (الاستراحة) الا بعض الوقت. ولم أكن اعرف أن الرحيل هو لمكان اخر هو ملحق «البيان2» الذي يصدر يوم الخميس. انتقلت اليه دون انذار بحثت عن مقالتي في الاستراحة فلم أجدها ثم وجدتها في الملحق. وغضبت فلقد احسست باحساس المنفي. وبدأت اغار من زملائي في (الاستراحة) وكانت الوحدة باردة. قمت بالاحتجاج والاحتجاج لا يجدي في أروقة «البيان»! فكتبت احتج على النفي الذي أعيشه. وسارعت الادارة لتطويق الموقف. وهذا دلل على أن القارئ له وزن في «البيان».. وكان هذا من دواعي سروري. وقالوا لي أن نقل المقال الى الملحق مجاملة! واضطررت أن أصدق هذا وأصمت. ليس لأنني اقتنعت، ولكن بدا للبعض ان نقلي من صفحة الى صفحة هي قضية رأي عام. ولقد تدخل الزميل الكبير علي عبيد بمقال يبرر فيه ماحدث، وينثر من الثناء ما يطفئ أي حريق متوقع. وسكت. وبدأت أتآلف مع البيت الجديد. وللإنسان قدرة هائلة على التكيف وأنا من الذين عاشوا في بيوت كثيرة حتى لا أكاد أحصيها فلقد كان والدي موظفا ينتقل من بلد إلى آخر، فيحملنا معه بعد عدة سنوات وفي غالب الأمر بعد عدة شهور. وبعد دخولي الجامعة انقلبت إلى شخص يصل الليل بالنهار، بل أحيانا يصل يونيو بيوليو! وأذكر صديقي الذي أتى الى البيت ليسأل عني فلم يجدني، ولم تكن التليفونات متوفرة كما هي الآن، فسأل والدتي عن موعد عودتي. فصمتت مفكرة قليلا ثم قالت له: - قصدك يوم أيه؟! وعشت وحدي أكثر مما عاش أي انسان آخر. وسكنت في شقق لا أتذكر مكانها مع محاولاتي احيانا. وفي بعض الاحيان كنت أبحث عن البيت القديم، وكثيرا ما عجزت عن الوصول اليه. واتعجب كيف كنت أغير مكاني وأعيش. والآن عندما أغير فراشي وأكون في فندق أعجز عن النوم. ولا استطيع ان اتكيف مع الفراش الجديد. واتساءل كيف كانت لدي هذه القدرة ثم فقدتها. فأقول الكلمة التي صرت أرددها يوميا: الشيخوخة! وفجأة دق جرس التليفون وجاءني صوت علي عبيد. يكفي هذا الصوت الهادئ ليخرجك من أسوأ الحالات. تحدث عن رحلته الى استراليا، وتحدثت عن رحلتي الى هولندا. وشكوت له أن «البيان» لا تصل بانتظام منذ سفري فقال لي: إذن لم تعرف أنك عدت الى الاستراحة! واخواننا في السينما يضعون في مثل هذه الحالات موسيقى تصويرية تملأ فراغ حالة الصمت التي سيطرت عليّ. واستعدت القصة من بدايتها. وقال لي ما حدث ورسالة الاستاذ خالد محمد أحمد. وماذا قال وماذا قالوا. ثم قال: أبومحمد قال وهذا موضوع لاستراحتك. واستراحته! وصممت على ألا أكتب عن هذه القصة وحاولت. بحثت عن موضوعات أخرى. وجدت موضوعا جميلا. وجلست لأكتب هذا الكلام. وقبل أن أضع الكلمة الأخيرة اعترف انني أحس بحنين شديد الى ملحق الخميس!