اذا كانت اهمية جولة الرئيس الاميركي جورج بوش الاوروبية ـ الروسية تقاس بنتائجها العملية، فإن المحطة الرئيسية، فيها كانت موسكو، ثم روما التي شهدت توقيع معاهدة انضمام روسيا الى حلف شمال الاطلسي بحيث اصبحت جزءاً من المنظومة العسكرية الغربية. ومع ان الرئيس بوش وضع عنواناً محدداً لجولته هو «مكافحة الارهاب» مع تعدد القضايا التي حرص على ادراجها تحت هذا العنوان إلا ان اطروحاته المعلنة ومناقشاته مع حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين عبر الاطلسي لم تضف جديداً الى ما هو معروف عن المواقف والاطروحات الاميركية في مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. وبرغم ان الرئيس الاميركي سمع الكلام الذي يرتاح اليه عن تضامن اوروبا مع الولايات المتحدة في حملتها ضد الارهاب، لكنه، كان لابد ان يسمع معه ايضا الرأي الاوروبي المعلن، والمكرر باستمرار، ومفاده ان الارهاب لا يكافح بالوسائل العسكرية وحدها، وانه لابد من العودة الى جذور المشاكل المتولد منها، والمرتبطة به بشكل او بآخر. ان التظاهرات الشعبية الحاشدة والمعادية التي استقبلت بوش في كل من المانيا وباريس وروما بدت وكأنها محاولة لتذكير الرئيس الاميركي بأن المبالغة في استخدام الوسائل العسكرية من دون التوقف عند الاسباب الحقيقية لظاهرة العنف في العالم ستؤدي الى تعاظم مخاطر الارهاب بدلاً من تقليصه ووضع حد له. بل ان الشعارات التي رفعها المتظاهرون في الدول الثلاث قصد منها التركيز على مسئولية الولايات المتحدة وسياساتها العالمية في خلق الظروف المولدة للعنف، وذلك باعتباره احدى وسائل التعبير عن الاعتراض والرفض والاحتجاج، ومع ان المقارنة بين ما رآه الرئيس الاميركي في شوارع برلين وباريس وروما، وما سمعه من حلفائه، داخل الغرف المغلقة، قد لا تجوز، من الناحية الشكلية على الاقل، لكن مضمون الرسائل التي اراد الاوروبيون ابلاغها له، كان واحداً في الحالتين، ولا يغير من هذه الحقيقة، لا اعلانات التضامن الصادرة في العواصم الثلاث، ولا كذلك استذكار مأثره انزال القوات الاميركية على شاطيء النورماندي الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية، والذي لعب دوراً حاسماً في ازاحة الكابوس النازي عن صدر اوروبا، حيث اكد الرئيس بوش انه «منذ ذلك الوقت حلت الروابط المشتركة عبر المحنة الواحدة والانتصار الواحد وادت الى تحالف عبر الاطلسي، امنه مترابط في اطار الدفاع عن العالم في مواجهة الارهاب». ويتضح من المحادثات التي اجراها الرئيس الاميركي مع قادة الدول الاوروبية الثلاث ان ثمة تناقضاً بارزاً بين الموقفين الاوروبي والاميركي، فيما يتعلق بمختلف القضايا الرئيسية التي شملها البحث. ومن القضايا التي ظهر تباين في شأن وسائل معالجتها: ـ العلاقات الثنائية، وخاصة ما يتعلق بالتبادل التجاري. ـ شئون البيئة ومسألة انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة كيوتو. ـ موضوع العراق. ـ العلاقات مع ايران. ـ الصراع العربي ـ الاسرائيلي. ـ موضوع مكافحة الارهاب. لغتان مختلفتان لقد بدا على الاقل من خلال النتائج المعلنة لمحادثات الطرفين، ان هناك لغتين مختلفتين في مقاربة كل القضايا المثارة، ففي الوقت الذي كان الزعماء الاوروبيون يحاولون استغلال مناسبة اللقاءات المباشرة مع الرئيس الاميركي لمصارحته والوصول معه الى تفاهمات ثابتة في شأن عدد من القضايا التي تثير اهتمامهم وتشغلهم، حرص هو على ابلاغهم موقف ادارته من دون ان يلتزم بشيء خارج حدود هذا الموقف ولذا ظلت معظم قضايا البحث معلقة والموقف منها اقرب الى «اعلان نوايا». وعلى سبيل المثال فإن كلام الرئيس بوش على العراق تركز على تغيير نظام حكم الرئيس صدام حسين من خلال توجيه ضربة عسكرية له، في حين تناولت وجهة النظر الاوروبية وسائل التثبت من عدم امتلاك العراق اسلحة الدمار الشامل وكيفية التخفيف من معاناة الشعب العراقي بعد احد عشر عاماً من الحصار وفيما يتعلق بايران فإن هناك اتفاقاً على ضرورة ألا تتمكن من تصنيع اسلحة نووية، لكن الاوروبيين لايرون ان هذا الخطر قائم فعلاً او ان الوضع الايراني يشكل تهديداً للغرب، واكد الزعماء الاوروبيون على اهمية مواصلة الحوار مع طهران، وهو الاسلوب الذي تم استخدامه حتى الآن وحقق نتائج ايجابية، وفقاً لتجارب الاعوام السابقة. اما في موضوع الارهاب الذي حظي باهتمام خاص من الرئيس الاميركي والمسئولين الاوروبيين، فقد كان ثمة اتفاق على ضرورة مواصلة التنسيق بين اجهزتهم الامنية لملاحقة العناصر التي يعتقد انها تشكل خلايا ارهابية بيد ان تباينا واضحاً برز في ما يتعدى ذلك، اي فيما يخص معالجة ظاهرة الارهاب ودوافعها واسبابها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فالادارة الاميركية مازالت ترى ان الحديث عن المسببات والدوافع ووسائل المعالجة يخلق انطباعاً بأن الارهاب يستند الى اسباب مشروعة وله ما يبرره، ولذلك فهي تريد اقفال هذا الباب كليا، اما الاوروبيون فيعتقدون ان هناك بالفعل ظروفاً تساعد على توليد العنف والارهاب وتؤدي الى انتشارهما. ولعل الرئيس الفرنسي جاك شيراك كان الاكثر صراحة في الحديث عن هذه الاشكالية حيث دعا الولايات المتحدة وفرنسا «المحبتين للحرية والديمقراطية والازدهار، الى العمل معاً كشريكين لاقتلاع الآفة التي تشكل ارضا خصبة للحروب والحقد، المتمثل بالفقر والبؤس والظلم». وقال موضحاً: «اسلحتنا يجب ان تحمل اليوم اسم التقدم الاقتصادي والتضامن الدولي والتعليم والصحة للجميع، وابتكار اساليب جديدة للانتاج والاستهلاك، والتأكيد الدائم على القانون الدولي وخيار الحوار». الصراع العربي ـ الاسرائيلي على ان الموضوع الابرز الذي تناوله البحث في جولة بوش الاوروبية وكذلك خلال محادثات الرئيس الاميركي في موسكو، كان الصراع العربي الاسرائيلي نظراً لما تتركه هذه المشكلة المعقدة من تأثيرات سلبية على الأمن والسلام ليس في منطقة الشرق الاوسط وحدها وانما في العالم كله. وبرغم ان هذا النزاع التاريخي الطويل سابق على احداث 11 سبتمبر بنحو نصف قرن، وله اسبابه التاريخية والسياسية والدينية المعروفة، فإن الرئيس جورج بوش بدا مصراً على معالجته في اطار حملة مكافحة الارهاب، مؤيداً بذلك سياسة الحكومة الاسرائيلية واجراءاتها القمعية ضد الشعب الفلسطيني. وفي هذا المجال تأكد ان بوش والاتحاد الاوروبي يقفان على طرفي نقيض، فالرئيس الاميركي لا يرى من المشكلة إلا جانبها الامني البحت، وأمن اسرائيل تحديداً، اما الاوروبيون فيرون ان الجانب السياسي في المشكلة هو الاساس، وان الجانب الامني هو نتيجة وليس سبباً. الرئيس الاميركي كرر كلامه السابق عن دولتين: فلسطين واسرائيل، لكنه بالمقابل لم يقدم اية اقتراحات عملية، أو اي رؤية واضحة، حول كيفية تحويل «الشعار» «الدولة الفلسطينية» الى حقيقة ملموسة، فهو يدعم كل سياسات ارييل شارون التدميرية ويشجعه على مواصلة ما يسميه «مكافحة الارهاب» ويمارس في الوقت نفسه ضغطاً متواصلا على السلطة الفسطينية لكي ترضخ للمشيئة الاسرائيلية، وتجبر شعبها على وقف مقاومته للاحتلال الاسرائيلي. لقد ظهر بوضوح ان بوش لا يملك منطقا متماسكاً في تعامله مع هذه المشكلة، كذلك فإن موقف ادارته يتسم بالسلبية الكاملة حيال الحلول السياسية المطروحة، وخاصة الحلول التي يطرحها الاتحاد الاوروبي. الزعماء الاوروبيون عرضوا افكاراً كثيرة توضح كيفية معالجة هذه المشكلة، وشددوا على انه لابد من تدخل دولي فاعل، اميركي وأوروبي وروسي لفرض تسوية شاملة لهذا الصراع الطويل بيد ان الرئيس الاميركي الذي كان يكتفي بالاستماع الى محاوريه في معظم الاحيان، لم يعرض وجهة نظر او خطة محددة يمكن للولايات المتحدة ان تلتزمها، ولم يتعهد بشيء على الاطلاق، ولعل الامر الوحيد الذي وعد به هو ايفاد مبعوث اميركي او اكثر الى المنطقة لاستطلاع الموقف مجدداً والاتصال بالطرفين الاسرائيلي والفلسطيني، بيد انه قال كلاماً كثيراً عن ضرورة اصلاح مؤسسات السلطة الفلسطينية، وكأن المشكلة القائمة هي مشكلة فساد داخل السلطة الفلسطينية، وليس اكثر من ذلك. مهمة الضغط على اميركا المسئولون الاوروبيون اكتشفوا في اعقاب محادثاتهم مع الرئيس بوش انه ليس امامهم من خيار سوى مواصلة الضغط لا على اسرائيل، بل على الادارة الاميركية من اجل حملها على اعتماد سياسة ايجابية واضحة حيال الاقتراحات المتعلقة بتحقيق تسوية شاملة ودائمة للصراع العربي ـ الاسرائيلي فالاتحاد الاوروبي لا يستطيع ان يعمل منفرداً، وعمله المنفرد لا يحقق النتيجة المطلوبة. وبالتالي فإن الدور الأميركي بقدر ما هو حقيق الآن، ضروري دائما من اجل بلوغ تسوية نهائية. كذلك فإن الزعماء الاوروبيين يرون ضرورة تحقيق تسوية شاملة، لان التسوية الجزئية او المؤقتة، تهديء الصراع ولا تنهيه في حين ان المطلوب هو حل شامل ونهائي، لا يستثني اي طرف، بما في ذلك سوريا ولبنان، وقد اوضح الجانب الفرنسي للرئيس الاميركي اهمية مشاركة دمشق في اي مؤتمر دولي يعقد لمناقشة ازمة الشرق الاوسط، كما شدد على ان مثل هذا المؤتمر يشكل الخطوة الاولى التي لا غنى عنها للانطلاق نحو الحل. وكنتيجة مباشرة لهذه القناعة الراسخة فإن المسئولين الاوروبيين يتطلعون الآن لوضع الادارة الاميركية امام مسئولياتها، عقد مؤتمر دولي ينتهي بفرض تسوية شاملة تستند الى قرارات الشرعية الدولية، ومن المفروض ان هذه القرارات تنص على انسحاب اسرائيل من الاراضي العربية المحتلة حتى حدود 4 يونيو 1967 وقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وقابلة للحياة على حد تعبير الرئيس الاميركي نفسه. هل تصدق واشنطن؟ ولكن الى أي مدى ستصدق الادارة الاميركية في تنفيذ التزاماتها الدولية بعد جولة الرئيس بوش الاوروبية؟ بعض المحللين يرى انه بمقدار ما تنفذ الولايات المتحدة التزاماتها الدولية، بقدر ما تنجح في المحافظة على تحالفها الدولي المتعلق بمكافحة الارهاب. واذا كان الاوروبيون لا يستطيعون العمل منفردين لتسوية بعض المشاكل المعقدة هنا او هناك فإن الولايات المتحدة لا تستطيع هي ايضا ان تعالج مشاكل العالم بصورة احادية وعلى اساس منظور امني فقط، اي باستخدام القوة المسلحة وحدها، ومن دون مراعاة مبدأ العدالة. ولعل قضية انهاء الاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية والاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، واولها حقه في تقرير مصيره واقامة دولته المستقلة، افضل اختبار في هذا المجال. ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا