الولايات المتحدة فقدت «السلطة الاخلاقية» التي تخولها انتقاد الآخرين بشأن اوضاع حقوق الانسان. لو صدر هذا القول عن فيديل كاسترو او محمد خاتمي لاعتبر حكما متحيزا.. او في افضل الاحوال مبالغا فيه لكنه في الحقيقة ورد في سياق تقرير رسمي منشور صادر عن اشهر هيئة لحقوق الانسان في الغرب ـ منظمة العفو الدولية. وفي اجماله يثير تقرير المنظمة سؤالا هاما: هل يجوز لاي حكومة ـ في اي مكان او زمان ـ ان تضحي بالحقوق القانونية الاساسية لمواطنيها او الاجانب المقيمين على ارضها لاعتبارات «الامن القومي»؟ الانظمة الاستبدادية في بلدان العالم الثالث ليست معنية اصلا بطرح هذا السؤال لان الاستبداد بما يشمل من تعطيل لا نهائي لسيادة القانون هو القاعدة الثابتة في هذه الحالة حيث يفقد «قانون الطواريء» صفته الطارئة ليتحول الى شبه دستور دائم وحيث يصير تعذيب المعتقلين دون محاكمة نهجا من الروتين اليومي. السؤال اذن موجه الى الدول المتقدمة التي من المفترض انها قدوة نموذجية للنظام الديمقراطي ولسيادة القانون ـ لا سيادة الحاكم ـ باعتبارها المرتكز الاساسي للنظام الديمقراطي ـ ومن بين الدول المتقدمة فان السؤال موجه بصفة اخص صوب الولايات المتحدة الاميركية التي لا تعتبر نفسها الدولة الديمقراطية الاولى في هذا العصر فحسب بل تستند الى هذه المكانة لتنصب من نفسها وصيا على حقوق الانسان في العالم بأسره. تقرير منظمة العفو الدولية لعام 2002 يقول لنا الآن ان الولايات المتحدة فقدت بعد احداث 11 سبتمبر وتداعياتها هذه الصفة الوصائية.. التي على اية حال كانت موضع شك. فعلى صعيد سيادة القانون ارتدت اميركا الى مستوى استبداديات العالم الثالث التي تبرر تجاوزات الحكم تجاه المواطنين والاجانب بمعاذير المحافظة على الامن. وقائمة التجاوزات الاميركية طويلة كما يسردها تقرير المنظمة.. ولذا نكتفي بأمثلة. من ابرز هذه التجاوزات ما يمكن ان يطلق عليه دون شطط «النموذج الاميركي لمحكمة امن الدولة في العالم الثالث» فقد خولت ادارة بوش مجالس عسكرية لمحاكمة المتهمين بالارهاب ومثل محاكم امن الدولة في دول الاستبداد المتخلفة فان القاعدة التي تعمل على اساسها هذه المجالس العسكرية ليست قاعدة «المتهم بريء الى ان تثبت ادانته» وانما قاعدة «المتهم مذنب الى ان يستطيع ان يثبت هو غير ذلك». واذا كانت هذه المجالس العسكرية لم تشرع في اعمالها بعد فلأن جميع اولئك الذين من المفترض ان يمثلوا امامها كمتهمين مازالوا حتى هذه اللحظة، ولمدى تسعة أشهر بعد وقوع احداث 11 سبتمبر رهن الاعتقال «التحفظي» اما في سجون داخل الولايات المتحدة او في معسكر غوانتنامو. وحتى هذه اللحظة ايضا لم توجه الى اي منهم اي اتهامات بينما حظر عليهم استئجار محامين. وفي مقابلة هذه الصورة البشعة ينقل الينا التقرير صورة اخرى فقد تحدث الينا التقرير عن اشخاص اجانب منحوا اللجوء في الاراضي الاميركية بعد ان اضطروا للفرار من دول عالمثالثية كانوا يمارسون فيها بحكم مناصبهم الامنية التعذيب المنهجي ضد المعتقلين السياسيين وتتساءل منظمة العفو الدولية: لماذا لاتقاضي السلطات الاميركية هؤلاء الاشخاص او تقوم بتسليمهم الى الحكومات الجديدة في بلدانهم رغم وجود قانون اميركي يسمح بمحاكمتهم داخل الولايات المتحدة؟ والشيء بالشيء يذكر فالتقرير يفيد ايضا في سياق مشابه بان الولايات المتحدة تواصل تصدير معدات وتجهيزات ومواد الكترونية وميكانيكية وكيماوية الى دول لاستخدامها كأدوات تعذيب. وكما رأينا فان منظمة العفو الدولية تستخلص من هذا كله ان الولايات المتحدة فقدت سلطتها الاخلاقية لانتقاد الآخرين ورغم اهمية هذا الاستخلاص الا انه ليس جديدا تماما كما يبدو ذلك ان «تسييس» حقوق الانسان من الثوابت غير المعلنة للسياسة الدولية للولايات المتحدة فالدول الاخرى يوجه اليها انتقاد او يسكت عنها، لا وفقا للأوضاع الحقيقية لحقوق الانسان في كل منها وانما وفقا لمدى انصياع او عدم انصياع النظام الحاكم لمتطلبات السياسة الاميركية.