كتب ألبرت اينشتاين، العالم المعروف، في مذكراته ان (القوانين وحدها لا يمكن ان تضمن حرية التعبير، فمن أجل ان يتمكن كل شخص من اظهار مواقفه، ينبغي ان تتوفر روح التسامح في المجتمع بأسره) ، وبحسب الأخبار التي تصلنا، وأحاديث المجالس وثرثرات الموظفين والموظفات العاملين في دوائرنا ومؤسساتنا ووزاراتنا المختلفة، فان درجة القلق على مصير الذين يقولون اراء معارضة للسائد، او ينتقدون اداء مؤسساتهم تتزايد يوما اثر الآخر، ما يعني ان ما تطرحه السلطة من ضرورة اعلاء حرية الرأي ومبدأ الشفافية لا يتحقق على أرض الواقع اطلاقا. (القوانين وحدها لا يمكن ان تضمن حرية التعبير..) نعم ولكن تصريحات بعض المسئولين الكبار، والجمل المثالية التي يرددونها عبر وسائل الاعلام ومن خلال اللقاءات التلفزيونية والصحفية حول ايمانهم بحرية الرأي والنقد والاعتراض ايضا لا تضمن حرية التعبير، لأن هذه الجمل أو (المانشتات) العريضة الجميلة ليست للتطبيق العملي وانما للاستهلاك الاعلامي وتلميع الصور او ايصال رسائل معينة لمن يهمه الأمر!! سمعت أن مسئولا كبيرا جمع موظفيه وحدثهم (بالتي هي أحسن) والتي هي أحسن نقصد بها انه هددهم بأنه لا فائدة من اعتراضاتهم على قرارات الادارة العليا التي تعرف مصلحة العمل اكثر منهم، ولا داعي ـ وهذا هو المهم ـ ان يوصلوا اعتراضاتهم للصحف لأن (الادارة العليا) ستفعل في النهاية ما تريد، والصحافة لن تنفعهم في شيء بل على العكس سوف تضر بهم وقد يؤدي الأمر الى تأخير ترقياتهم.. ومكافآتهم!! ونعم الحرية وعرفت مسئولين تسببوا بشكل مباشر او غير مباشر في انهاء خدمات موظفين اكفاء لديهم، لأنهم تجرأوا على نقد سياسات المؤسسة واداء المدير او المسئول، فمازال نقد الخطأ، والمجاهرة بالرأي الآخر، وانتقاد الاداء ممنوعاً وغير مرغوب فيه في مؤسساتنا ودوائرنا، كما هو شائع في اغلب منظومة العالم الثالث، حيث ما زالت حقوق الانسان بضاعة اميركية اوروبية يجب مقاطعتها لحين تحرير القدس الشريف!! مشكلة المشاكل عندنا لا تكمن في اننا لا نعرف ما هي حقوق الانسان، او كيف تطبق، او ما هي سلبياتها وحسناتها، او اننا غير متعلمين او ان حقوق الانسان بضاعة عربية لا تصلح للتداول الا في الغرب، المشكلة مشكلة نظام عام، مشكلة تركيبة ذهنية مؤهلة ومنشأة على منطق الاستسلام في مقابل الطغيان بكل اشكاله، مشكلة مجتمع يتربى ويربى على استساغة الازدواجية في كل شيء، في السلوك العام والخاص، في سلوك السياسي والمثقف، في سلوك الرجل والمرأة، في تصريحات المسئول وفي ادائه الفعلي ولذلك فإن هذا المجتمع لا يجد غضاضة في استمرار حالته السيئة او الميئوس منها لأنه لا يراها سيئة اصلاً، لأنه اعتادها او تربى على الاعتياد عليها وتقبلها، وعدم انتقادها او الاعتراض عليها لأنه اذا فعل فإما انه احمق او ناكر للجميل، او مجنون أو.. المشكلة في عدم تقبل المسئول او المدير للنقد والرأي المخالف ان هذا المسئول يعمل ضمن نظام يجعله قابعاً على كرسيه محافظاً على منصبه طول العمر، يعني انه منذ ان يصبح مديراً أو مسئولاً عاماً او وزيراً فانه يعلم بأنه يستلم رسالة تعيين مدى الحياة، ووظيفة مدى الحياة يمكن ان تقود صاحبها مع مرور الزمن ـ برغم سلبياته واخطائه أحياناً ـ الى فقدان الذاكرة، وهو فقدان متعمد ولكنه مطلوب، فالمدير او المسئول ينسى مع مرور السنوات انه موظف في المؤسسة يستلم راتبه من خزينة الدولة وله ملف في الحسابات ورقم حساب يحول عليه راتبه اخر الشهر مثل اي موظف، الفرق ان مسئولياته اكبر، وراتبه اكبر وامتيازاته اكبر، لكن المسئول الذي يرفض النقد والمعارضة ينسى ذلك ويعتقد بأن المؤسسة ملكه الشخصي، وعليه فالمالك حاكم بأمره، لا تجوز معارضته لأنه كولي الامر طاعته واجبة، ومعارضته او الخروج عليه معصية كما يقول بعض العلماء! هذه الاشكالية، الازدواجية، تقود الى اوضاع مزرية في المؤسسات، كما تؤدي الى تراكم الاخطاء، وتدني مستوى الانتاج والاداء والمخرجات، وتقود الى تكاثر الشكاوى وتناسل الازمات وامراض الادارة والفساد حتى يصبح الحل امراً مستحيلاً او مستعصياً، وعندها فقط (نفكر) وربما لا نفكر مطلقا في استبدال المسئول! ومازال السؤال المهم جداً غير وارد وغير مطروح، ايهما اكثر اهمية: شخص المسئول ام مصالح الافراد والمجتمع التي انشئت المؤسسات من اجلها؟ سؤال اكثر اهمية: لماذا يصر البعض على ادعاء انه مؤمن بحرية النقد بينما الحقيقة ان بينه وبين حرية النقد عداء أزلياً؟