لم يكن «كأس العالم» بقدر ما كان «كأس العولمة»، ومن لم يفهم حتى اليوم معنى «العولمة» فقد جاءته فرصة المونديال ليشارك مجبراً في «العولمة» لا ليتفهمها فقط، ومن كان يحاول متفلسفا التهوين من شأن «العولمة» مقللاً من تأثيراتها على كل شعوب الارض عامة وعلى شعوب العالم الثالث خاصة وجد نفسه بين يوم وليلة غارقاً الى أذنيه في بحر لا قرار له من العولمة التي طالما انكر آثارها السلبية وطالما سخر ممن يعددون مصائبها على العالم عامة.. والثالث منه على وجه الخصوص..! درس «كأس العالم» القائم اليوم على قدم وساق علّم من لم يكن يعلم.. ومن كان يريد ان يعلم، كيف تكون «العولمة» على اصولها، كيف يأكل الكبير فيها الصغير.. وكيف يضطر فيها الضعيف الى ان «يبوس الجزم.. ويبدي الندم.. على غلطته في حج القوى»، واذا كانت العولمة قد بدأت اليوم بالكرة التي مهما اشتدت شعبيتها وانتشارها وسيطرتها على الملايين الا انها لم تدخل بعد ضمن قوائم الاكل والشرب ولوازم الحياة الضرورية.. ولم تكن يوما من الايام علاجاً للامراض.. او كساءً يستر العارى او يدفيء البردان! «العولمة» دخلت مع كأس العالم كل بيت، وفي سبيلها خضعت دول كبيرة وصغيرة لشروط «المعلمين» الكبار.. ودفعت الملايين مضطرة تحت ضغط رغبات شعوبها.. التي ان رضيت بالاستبداد.. واستكانت للاستعباد.. وخضعت لمافيا الفساد.. فانها لن تقبل بحال حرمانها من متعة مشاهدة مباريات كأس العالم على شاشات تلفزيوناتها، وقد يستكين الناس للقمع اذا حرموا من ضروريات الحياة.. او اغلقت في وجوههم كل وسائل التعبير وحرية الرأي.. او تعرضوا لبطش السلطة والسلطان، ولكنهم.. وبالتأكيد.. لن يقبلوا او يستكينوا اذا حرموا من متعتهم الوحيدة الباقية.. متعة مشاهدة الكورة.. ومبارياتها.. وكأسها العالمية، وقد يحرك حرمانهم منها ما لم تحركه كل عوامل الفقر والجوع والاستبداد التي رضخوا لها على مدى الاعوام..! «العولمة الكروية» تجبرت.. وتحكمت.. واحتكرت، وسدت كل المنافذ امام الشعوب المتعطشة لمتعة لا تتكرر الا كل عامين، و«العولمة الكروية» عرفت من اين تؤكل الكتف.. بل الاكتاف..، وفرضت ما تريد، واكدت حرية كل من لا تعجبه شروطها في اختيار احد امرين: اما ان يشرب من البحر.. واما ان يخبط رأسه في اقرب حيط، والا فالطيب احسن.. والخضوع التام خير من الحرمان الزؤام..! حكومات الدول «المعولمة» لم تخضع لشروط الدول «المعولمة» استجابة لرغبات شعوبها وخوفا من سخط حماهيرها فحسب..، وإنما لانها وجدت فيها فرصة جاءتها على طبق من ذهب، فقد حققت لها مخرجا من زنقتها التاريخية بعد ان خابت في مواجهة الاحداث الدامية في الارض المحتلة وبعد ان احتارت واحتار دليلها امام السخط الجارف والزاحف للشارع العربي، خاصة بعد ان فشلت كل محاولات اعلامها «شاشة وصحافة» في غسل امخاخ ابناء هذا الشارع الغاضب بكل هايف وتافه من افلام ومسلسلات وبرامج تمجد السلام العاجل والآجل وتلعن ابو الحرب والضرب، عدا الفتاوى التفصيل التي تحلل العمليات الاستشهادية يوما وتحرمها في يوم آخر..، كان هذا هو الحال الذي اوقع الحكومات وقادتها في «حيص بيص» حتى جاءتها نجدة «كأس العالم» من السماء لتشغل الناس عنها وعن خيبتها القوية.. ولو الى حين! وحتى تكتمل المهزلة الكروية، وهي بالقطع ليست مهزلة بالنسبة للشعوب الرايقة والفايقة..، التي لم يبتليها القدر بالغول الصهيوني المحتل لارضها ومائها وسمائها.. وبالغول العربي المحتل لكراس الحكم فيها، وانما هي بالتأكيد مهزلة ومحزنة لشعوب كشعوبنا اكتوت اقفيتها من صفعات الاصدقاء قبل الاعداء، رغم ما يشاع ويذاع في اعلامها الرسمي عن ازهى العصور الديمقراطية والتنموية والتكنولوجية والبيولوجية والايدلوجية التي تعيش و«تتمرغ» فيها هذه الشعوب..! الشيء الوحيد الذي قد نلتمسه عذراً لشعوبنا الغلبانة في انكبابها وارتمائها على متابعة المونديال.. هو انه اصبح الوسيلة الوحيدة للهروب من حالة الغم الازلي الذي تعيشه.. والذي لا مهرب ولا انفكاك منه في المنظور القريب او البعيد.. ولو لشهر واحد..!!