مرت ذكرى نكسة 5 يونيو 1967، حيث منيت الجيوش العربية بهزيمة قاسية في حرب نُصبت أفخاخها السياسية والعسكرية والاستخباراتية بإحكام للايقاع بالعرب وتصفية حركة، المد القومي وتجربة التنمية المستقلة والاعتماد على الذات وتهيئة الأجواء لتمدد المشروع الصهيوني سرطانياً، وهو ما تحقق حرفياً، بخلاف الفشل الذريع في تطويع الارادة العربية التي رفضت سلام الإذعان، وتبنت شعار «ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة» وحققته عن جدارة في حرب الاستنزاف طيلة ثلاث سنوات قبل ان تنجح ملحمة حرب العبور وانتصار رمضان (اكتوبر 1973). وبعيداً عن طقس البكاء على الأطلال، يصبح ملحاً التذكير بدروس النكسة في سياق المواجهات العربية الاسرائيلية والبحث عن أسباب الانتصار التي تحققت في حرب اكتوبر حتى لا تبقى أمتنا تدور في حلقة مفرغة، وتعيد مع كل جيل بدايات من سبقه، وتهدر الطاقات، وتفقد فرص النهوض والتحديث والتنمية، وفي الوقت نفسه يتدنى مع مرور الزمن سقف التطلعات والمطالب السلمية لتسوية الصراع العربي الصهيوني. وأول هذه الدروس التاريخية المطلوب التمسك بها والتيقظ لتفعيلها وعدم تركها تطمر تحت ركام الأمور العارضة، هو ان لب الصراع مع العدو الصهيوني يكمن في طابع الكيان الصهوني العنصري وتجسيده لآخر مراحل الاستعمار الكولونيالي الاستيطاني، وكون اسرائيل محمية غربية أو مخفراً أمامياً للمشروع الغربي الاميركي للهيمنة على المنطقة وابقاء العرب منقسمين، واذكاء نيران الحروب الطائفية لعرقلة نهوض المشروع الحضاري العربي. ويرتبط بهذا الدرس ان المواجهة بين العرب واسرائيل تعني في جانب رئيسي منها المواجهة مع أميركا بانحيازها المطلق للصهاينة. وثاني هذه الدروس، ان الارادة السياسية عندما تتحقق، تتجاوز الهزيمة العسكرية، فليس ضرورياً ان تترجم الهزيمة في معركة أو جولة من جولات الصراع الى تسليم أو استسلام بشروط العدو، فأخطر من النكسة والهزيمة هو الاذعان لشروط العدو والتنازل عن الثوابت القومية والمصادرة على حق الأجيال المقبلة في خوض معركتها لتحرير ما يعجز الحاضر عن تحريره. وثالث هذه الدروس، ان الحروب لا تدار عبر الميكروفونات والتصريحات والمزايدات السياسية بين الفرقاء، بل لكل حرب شروطها وبيئتها الوطنية والاقليمية والدولية، ولا يمكن للسياسي ان يسرق دور العسكري والاستراتيجي، وإلا فستكون الهزيمة مروعة مثلما حدث في 5 يونيو عندما أهدر قادة الجيش قدرات وطنية وقومية بعجزهم عن قراءة الواقع. ورابع هذه الدروس، ان حصيلة أي مفاوضات محكومة بموازين القوى في ساحة القتال، وان اسرائيل لم ترضخ طيلة نصف قرن من عمر اغتصابها لفلسطين لقرارات الشرعية ولا تحترم اتفاقاً إلا عندما يتحقق الرادع العسكري العربي، وان السلام الحقيقي شرطه رجحان ميزان القوى لصالح العرب، وانه لا يستجدى ولا يشترى من واشنطن برهن الارادة أو التخلي عن الحقوق. أما أخطر دروس النكسة فهو ان الانتصار كان حليفاً للعرب عندما تحققت وحدة ارادتهم، وان النصر الشامل لن يكون إلا باطلاق طاقات المجتمع في صراع حضاري يجب ألا تكون الغلبة فيه إلا للعرب.