ـ سُنّة ـ: ولولا خِلالٌ سَنّها الشّعْرُ ما درى بُنَاةُ العُلا من أين تؤتى المكارِمُ ذلك قول قاله الشاعرُ العبّاسي أبو تمّام حبيب بن أوْسْ الطائي قبل ما يزيد على الألف عام. وقوله ذلك يعني لمن صَعُب عليه أن لولا تلك «الخِلال» يعني الصفاتِ التي سَنّها الشّعر أي تواضع عليها العرب وقيّدوها في ديوان شعرهم ما درى بُناةُ العُلا أي الذين يطلبون العُلا كيف يأتون تلك المكارم التي تحُسَبُ لهم فيُحسبونَ في عِداد أصحاب العُلا وأربابُ المجد. وفي قول أبي تمّام ذلك دلالات على أمور ربما اغفلها الكثيرون وأخذوا من البيت معناه الظاهري، ففي البيت دلالة على أن العرب الأوائل قبل الاسلام هم الذين «سنّوا» مكارم الاخلاق عند العرب فجاء الاسلام فقال نبي الاسلام عليه افضل الصلاة والسلام فيما معناه «جئت لأُتَممَ مكارم الاخلاق» فأقرهم على ان الفضل لأولئك العرب في وضع مكارم الاخلاق حتى إذا استقام بناؤها وبقي منها مواضع جاء الرسول الكريم ليُتَممَها وليس في هذا الفهم انتقاص في رسالة الاسلام. فالاسلام جاء ليعالج جاهلية العرب في عقائدهم التي لا شك في أنها كانت باطلة لابُدّ من هدمها أما اخلاقهم فالاسلام ما جاء ليهدمها بل ليُتممَ ما كان يشوبها من نقص. هذا وفي بيت أبي تمّام ذلك إشارة تقول كان له الفضل الاول على هذه الأمة حتى بعد اسلامها وذلك ان الامم الاخرى كانت مرجعياتهم في اخلاقهم إلى فلاسفتهم ونساكهم وحكمائهم وكل ما كتب في اخلاقهم من كتبٍ واسفارٍ ضخمة. أمّا امة العرب قبل ان تسلم لم يكن لها فلاسفة غير شعرائهم. فالمجتمع العربي الذي لا فرق فيه بين افراد القبيلة هم جميعاً اشراف من الامير الى افقر فرد في القبيلة ممن كانوا احراراً غير عبيد فإنهم جميعاً ينطقون بحكمة اورثتها لهم تجارب القبيلة يتغنون بها في اشعارهم وشعرهم هو ديوان اخلاقهم التي هي حصيلة تجاربهم. نظرة على اخلاقهم لو اننا نظرنا الى اخلاق العرب التي اتى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ليتمم نقصها لتمنينا انها لنا الان في مجتمعاتنا هذه ولو بنقصها. ومن ذلك اخلاق اقرّها الاسلام ودعا اليها. قال الشاعر العربي حاتم الطائي: فنفسك اكرمها فإنك إن تهُن عليك فلن تلقى لها الدهر مُكرِما وقد جاء في الأثر ما ينبغي لمؤمن ان يذل نفسه قيل للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام كيف؟ قال يعرضُها ما لا تطيق من الفتن. وقال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام «انما الحلم بالتحلم»، في اشارة الى خليقة الحلم واهميتها وانها من الاخلاق التي يمكن اكتسابها وإن لم تكن طبيعة في النفس الانسانية فقال حاتم الطائي. تحلّم على الأدنين واستبق ودّهم ولن تستطيعَ الحلمَ حتى تَحَلما وقد علم الشاعر العربي علم الخبير بالنفوس فاشترط للحلم وصحته القدرة على توقيع الرد ومعاقبة المسيء فمن كان سكوته على الاساءة لضعف فيه لم يكن ذلك دليل على صفة الحلم فيه لأن الحلم ليس الا للقادرين وليس للضعفاء، فصمت الأقوياء وصبرهم على الاذى حلم صريح وصمت الضعفاء ضعف ومهانة لذلك قال الشاعر: كلّ حلمٍ أتى بغير اقتدارٍ حجة لاجئ إليها اللئام فإذا صمت الضعيف على الاساءة فهو ضعف فإذا تجاوز ذلك وادعى الحلم كان ذلك منه لؤماً قبيحاً. صيانة المرأة ومن اجمل اخلاق العرب صيانة مجتمعاتهم بصيانة اعراضهم المتمثلة في نسائهم ولم يكن احدهم يصون امرأته فحسب بل يصون امرأة جاره وفي ذلك صيانة للمجتمع من الفساد وهل تفسد المجتمعات الا بفساد نسائها.. قال الطائي: فأقسمت لا أمشي على سِرّ جارتي يَدَ الدهرِ مادامَ الحمامُ المغَردُ