جاءني صوته الهادئ في الهاتف قبل أيام قليلة من رحيله، متعبا يحمل بصمات المرض الذي فاجأه فيما بعد بنزيف دماغي حاد.. جاءني صوته من باريس الى الدوحة مشحوناً بغضب كبير. وبعد رحيله عن هذه الدنيا اخذت كلماته الأخيرة لي شكل الوصية. كان ذلك هو صديقي الراحل وزير خارجية فرنسا الأسبق ميشيل جوبير، الذي قال عنه الرئيس جاك شيراك في برقية عزاء لابنه المحامي مارك جوبير: «انه رجل من معدن الكفاح المستميت من أجل فرنسا حرة واتحاد أوروبي مستقل». كانت آخر مكالمة بيني وبينه بدأت بالأمل في أن يراني بباريس بعد سنة من العمل بالدوحة، وان يقدم لي الصحافي المغربي المعروف حميد برادة وأقدم له أنا المستشرق الفرنسي المعروف صديقي جيل كيبيل. ثم شرع جوبير يحدثني عن رجوع شارون من زيارته لواشنطن الى اسرائيل بعد العملية الفدائية الفلسطينية التي قتلت خمسة عشر اسرائيلياً. قال لي جوبير: «إن هناك محوراً جديداً يضم واشنطن وتل أبيب يمكن ان نسميه محور الجنون.. فنحن بإزاء خطتين استراتيجيتين تتكاملان أمام أعيننا: خطة شارون لإعادة احتلال كامل التراب الفلسطيني... وهي خطة اقليمية تنخرط في خطة جنونية عالمية هي خطة الرئيس بوش... لاحتلال العالم بأسره ومعه الفضاء الرحب... أي فرض الهيمنة على الكون أرضاً وفضاءً. كنت أشعر بنبرة الصدق والانصاف في كلام جوبير، فهو رجل عادل في مواقفه لا يجامل... فقلت له: لماذا لا تكتب هذا الكلام... فقال لي أعدك أني سأكتب مقالي القادم بعنوان: محور الجنون. أو استراتيجية مجنونة... انهما أي شارون وبوش، يقودان الانسانية الى مصير مجهول. فشارون حقق على الأرض بواقع الاستعمار انتصاراً عسكرياً. لكنه في الحقيقة هزيمة سياسية لأنه لا يقدم أي حل سياسي للمعضلة الفلسطينية، مما يؤدي بالفلسطينيين الى اليأس وبالتالي الى العنف والانتقام بأية طريقة متاحة أمامهم... وهذا المخطط الاستعماري يرى بوش انه يندرج في مخطط مقاومة «الارهاب» العالمي، وهو مخطط مطاط يتمدد بدون حدود وبدون ضوابط... ولاحظ انتقاله التدريجي الى الأزمة الباكستانية الهندية الراهنة، حيث بدأ الهنود يستعملون نفس منطق المخطط ذاته حين يقولون ان «القاعدة» انتقلت من أفغانستان الى كشمير وان أعضاء «القاعدة» يتسللون الى كشمير للقيام بأعمال ارهابية وان القضاء عليهم اليوم يستدعي «تحالفاً» من النوع إياه. لاحظ ان الأضواء الإعلامية انتقلت الى الصراع الباكستاني الهندي لتسلط على «القاعدة» الشبح... فكأنهم حين ضيعوا أثر أسامة بن لادن في أفغانستان... وجدوه بفعل ساحر في كشمير!! نحن اليوم في الفصل الثالث من مسرحية ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، بعد الفصل الأفغاني الطالباني وبعد الفصل الفلسطيني الجنيني». قلت للصديق جوبير: «إنك ستبدو أكثر فأكثر كعدو للدبلوماسية الأميركية ... وانت معروف منذ أيام حرب أكتوبر 1973 بمقاومتك للظلم فحذار أن تصنف ضمن محور الشر...». وقلت له: «كيف سيوقف هذا التيار الجائر؟»، قال ان الاتحاد الأوروبي قادر على إيقافه إذا ما تحلى قادته بالشجاعة، وبإمكان الاتحاد أن يدين اسرائيل على ممارساتها الاستعمارية الخارجة عن قرارات المنظمة الأممية ومجلس الأمن والقانون الدولي... من واجب الاتحاد الأوروبي ومن حقه أن يفعل ذلك... بل وأن يعلن فرض عقوبات على اسرائيل لخروجها عن القانون وممارستها للاحتلال الاستعماري... ويمكن للحكومات العربية ان تضغط في هذا الاتجاه اذا ما استطاعت المناورة وعدم القبول بالإملاءات الأميركية...». ثم أضاف بمرارة وحسرة: «إن إسرائيل تمارس إرهاب دولة لأنها تختطف المدنيين الفلسطينيين كرهائن بل تتخذهم دروعاً بشرية، وأميركا مع الأسف تغطي على جرائم الحرب هذه بالإذعان لإرادة شارون ولا تسمع حتى لدعاة السلام من الإسرائيليين أنفسهم. وهكذا تتحول الحرب الاستعمارية القذرة الى تطهير عرقي سبق لواشنطن ولحلف الناتو ان أدانوه عندما مارسته صربيا برئاسة ميلوسيفيتش... إن اسرائيل اليوم تسعى لتكون «ارتز اسرائيل» أي اسرائيل الكبرى، ولا يريد شارون دولة فلسطينية كما صرح غريمه وحليفه نتانياهو في مؤتمر حزب الليكود... أما حزب شاس الديني المتطرف فقد أعلن ان الفلسطينيين الباقين في اسرائيل يمكن اعتبارهم «مهاجرين» لها... ان أميركا منحازة لا الى اسرائيل مثلما كانت دائماً، ولكن منحازة لـ «الشارونية» ويقوم الوزير كولن باول بالتمويه على هذا المخطط بوعود مؤتمر قادم... كم عدده في مسلسل المؤتمرات الفاشلة والمجهضة. إننا نعيش ـ كما قال جوبير ـ عصراً غريباً امتدت فيه الامبراطورية الأميركية على الكون... أرضاً وفضاءً بدون ضوابط أخلاقية...». هكذا حدثني صديقي وصديق القضايا العربية العادلة الراحل ميشيل جوبير قبل أن ينطفئ بأيام قليلة، وسألته: هل يمكن أن أكتب محادثتنا في مقال؟ فرد عليّ: أنا أيضاً سأكتب هذه المواقف... لأن الأخطار محدقة. ـ أستاذ في قسم الإعلام ـ جامعة قطر