عندما عرض الرئيس عرفات هذا الاسبوع على المنظمات النضالية الفلسطينية الرئيسية الأربع ـ «الشعبية» و«الديمقراطية» و«حماس» و«الجهاد» ـ مناصب وزارية في اطار خطوته لاعادة التشكيل الوزاري للسلطة الوطنية الفلسطينية، كان يدرك سلفا ان قيادات هذه المنظمات سوف ترفض العرض على الفور فالمشروع «الاصلاحي» الذي بات الرئيس الفلسطيني يتبناه بناء على ضغوط من الولايات المتحدة بمشاركة أطراف عربية معينة، يقصد به بالضرورة الأساسية تدجين هذه المنظمات النضالية. ان من الثابت الآن ان هدف الولايات المتحدة هو اعادة السلطة الفلسطينية الى نهج اوسلو الاستسلامي، بعد ان جرفها تيار انتفاضة الأقصى ضد ارادتها بعيداً عن الحظيرة الاميركية الاسرائيلية، وعملية «الاصلاح» التي ابتدرها ارييل شارون وتبنتها واشنطن وحملت اطرافاً رسمية عربية للانضمام اليها، تأتي كنتيجة لانحسار التيار الراديكالي للانتفاضة كما تتصور الادارة الاميركية ومن ثم آن الاوان، وفقاً للتصور الاميركي، للاجهاز على المقاومة المسلحة المترنحة تمهيداً للعودة الى نهج اوسلو. رفض قيادات المنظمات العرض العرفاتي ليس له الا معنى واحد.. وهو ان هذه القيادات فطنت الى ان المراد من اشراكها في التشكيل الوزاري الجديد هو اضفاء غطاء تجميلي على السلطة الفلسطينية في المرحلة المقبلة. وهذا في الواقع ما صرح به قادة المنظمات الاربع كل على حدة فقد قال كل منهم انهم يستبعدون المشاركة في مجلس وزاري يتبع سلطة تجعل من اوسلو سقفا بل ان قيادة «الجبهة الشعبية» ذهبت الى حد ان عرفات ليس لديه نية فيما يبدو «لتنفيذ اصلاح في صالح الفلسطينيين وليس اسرائيل». غير ان من الغريب ان الادارة الاميركية اذ تضغط على قيادة السلطة الفلسطينية للعودة الى مرجعية اوسلو بشكل او بآخر، فانها في الوقت نفسه تؤيد السياسة الاسرائيلية الشارونية في التنصل من اتفاق اوسلو نهائياً ولكن ليس من العسير فهم هذا التناقض الظاهري. ان شارون يرى في اوسلو التي تعترف مبدئياً بوجود كيان فلسطيني رسمي يتوجب التفاوض معه حول القضايا المصيرية الأساسية ـ اقامة دولة فلسطينية وتحديد مستقبل القدس وعودة اللاجئين الى «اسرائيل 48» الخ ـ عقبة على طريق تطبيق مخططه الرامي الى ابقاء السيادة الاسرائيلية على اراضي الضفة الغربية وتكريسها الى الأبد. فاذا كانت بنود اوسلو تلزمه بالتفاوض مع الجانب الفلسطيني حول القضايا الاساسية النهائية للتوصل الى تسوية سياسية فلتذهب اوسلو الى الجحيم. ان ادارة بوش تتفهم هذه الرؤية الشارونية المدعومة من المنظمات اليهودية الاميركية، وبالتالي تلزم نفسها بها (دون الجهر بذلك). لكن لأوسلو جانباً آخر.. فهي تلزم السلطة الفلسطينية بنبذ الكفاح المسلح ومن ثم بتجميع الاسلحة من المنظمات الفلسطينية النضالية ومنع اعادة تسلحها مستقبلاً. الولايات المتحدة اذن تتجاهل اتفاق اوسلو الى المدى الذي يلائم المخطط الاسرائيلي في استمرار اخضاع الضفة للاحتلال من رؤية «توراتية»، وتتمسك به انتقائياً الى المدى الذي يؤدي الى تدمير المقاومة المسلحة الفلسطينية بواسطة القوة الأمنية للسلطة الفلسطينية بعد «اعادة بنائها». تأسيساً على هذا كله فإن من حق قيادات المنظمات النضالية، بل من واجبها، ان ترتاب في عرض قيادة السلطة الفلسطينية بالمشاركة في التشكيل الوزاري، واذا اراد الرئيس عرفات ان يزيل هذا الريب فإنه مطالب بالآتي: ـ اولاً: اعلان تخلي السلطة الفلسطينية نهائياً عن اوسلو والتزاماتها، على اساس ان الطرف الآخر في الاتفاقية (اسرائيل) تخلى عنها عملياً. ـ ثانياً: اعلان ان الكفاح المسلح يظل نهجاً مشروعاً وساري المفعول لا يتعارض مع الاسلوب التفاوضي على خط مواز، طالما بقي الاحتلال الاسرائيلي على الارض الفلسطينية. وعلى هذا الأساس فإن التشكيل الوزاري يكون قضية ثانوية، فالمطلوب اولاً تحديد الاتجاه. والخطوة الاولى على هذا الطريق هي وضع برنامج وطني فلسطيني من خلال حوار جاد بين قيادة السلطة وقيادات المنظمات الميدانية.