إذا حفرنا عند أساس قضية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل، فسوف نعثر على نزعة صارخة للتميز وتضخيم الذات تغلف مواقف الدول التي تملك هذه الأسلحة، ولاسيما تلك التي قدر لها سبق الاستحواذ على الامكانات العسكرية لاستخدامات الطاقة الذرية. وتعرف هذه الأخيرة بالأعضاء المؤسسين لنادي الدول النووية. وبالنسبة للولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، تكاد هذه النزعة تلامس حد الاستعلاء العنصري، لأن الفكر الاستراتيجي لديهما يدعي أن سياستهما تقوم على صفات عقلية وسلوكية راقية، لا تتوفر لمعظم الوحدات الدولية. وهذا يجعل امتلاكها لأسلحة الدمار الشامل مسألة لا تهدد السلم والأمن الدوليين مقارنة بالاحتمالات المترتبة على وقوع هذه الأسلحة الفتاكة بين يدي أطراف أخرى ليست لها هذه الصفات. بصفة عامة، يرى الملاك القدامى لأسلحة الدمار الشامل من نووية وبيولوجية وكيماوية، أنهم راشدون وعقلانيون بما فيه الكفاية للحيلولة دون اللجوء العشوائي لقرار استعمال هذه الأسلحة عند أول منعطف أو أزمة يتعرضون لها، وأن هذا القرار محفوف بقيود بالغة التعقيد، ولا يمكن اتخاذه إلا في حالات تصور أو تقدير أن وجود دولهم أو حيوات شعوبهم معرضة لخطر الاستئصال. وهذا سقف يصعب الوصول اليه بسهولة أو بصعوبة. ويمضي هؤلاء الى أن نظمهم السياسية وعقائدهم العسكرية تحظى بالاستقرار والديمومة بالقدر الذي يقيها من المواقف العاطفية أو الانقلابية الفجائية التي تسم سياسات النظم الأخرى ومن شأنها حملهم على اللوذ بأسلحة الملاذ الأخير في واحدة من لحظات الانفعال والتوتر. وفي كل حال يضفي هؤلاء الملاك ومفكروهم السياسيون والاستراتيجيون على أنفسهم مجموعة من المزايا والخصال، التي تبرز الزعم بأنهم يداعبون أو يثيرون من حيث يشعرون أو لا يشعرون بمفهوم الطبقية والتمايز بينهم وبين غيرهم على الصعيد الدولي. فالقوى الدولية الأخرى، العاملة على اللحاق بركبهم، هي بنظرهم ليست أهلا لذلك. إنها دول محكومة بنظم ديكتاتورية تسلطية، تخضع لأهواء حكام شوفينيين ونخب عسكرية متخلفة، ربما استمرأوا اللعب بنار أسلحة الدمار الشامل بدون تقدير للعواقب والتبعات حتى فيما يتعلق بمصالح شعوبهم. ثم إنه لا ضمانة لوقوع هذه الأسلحة في حال امتلاك هذه الدول لها، تحت طائلة عناصر تنتمي لتيارات «متطرفة» من التي تموج بها مجتمعاتها من الداخل. وفي الآونة الأخيرة، راح الفكر الاستراتيجي الغربي، الأميركي بالذات، يروج لفكرة تسرب هذه الأسلحة الى ما يعرف عنده بالتنظيمات «الارهابية»، بما يقتضي التشدد مع دول بعينها صنفت تحت «محور الشر» فيما يتصل بقضية التسلح غير التقليدي. ترى ما حظ هذا المنظور التراتبي الطبقي من الصدقية؟ قبل 11 سبتمبر وتداعياته الكبرى، جرت أحداث عيانية تنقض صحة كثير من الذرائع المطروحة لمساندة نظرية احتكار أسلحة الدمار الشامل. فقد ألقت واشنطن قنبلتيها النوويتين على هيروشيما ونجازاكي عام 1945، ولم يكن ذلك عن حاجة عسكرية.. وفي عام 1990 شهدت موسكو محاولة انقلاب عسكري، ثارت على ضفافها مخاوف من فقدان السيطرة على هذه الأسلحة. وهكذا فإن أكبر وأقدم دولتين نوويتين خالفتا بسلوكيهما كلا من مفهوم الرشد والعقلانية والانضباط الأخلاقي ومفهوم الاستقرار النظامي. ثم إن كلا من فرنسا والولايات المتحدة ساعدتا على التوالي دولة استيطانية استعمارية عدوانية هي اسرائيل على امتلاك الأسلحة غير التقليدية بكل أنواعها، وهذه مخالفة صريحة متعمدة لمفهوم منع انتشار هذه الأسلحة. وفي تناقض ظاهر مع فكرة لا عقلانية الآخرين واندفاعهم العاطفي، لم يستخدم النظام العراقي أي نوع من أسلحة الدمار الشامل ضد مهاجميه عام 1991، رغم تأكيدهم على أنه يمتلك هذه الأسلحة ولن يتورع عن استخدامها! ولكن أين هذه الأمثلة مما أضافته مستجدات ما بعد 11 سبتمبر؟ لقد فضحت هذه المستجدات زيف بقية ادعاءات أصحاب نظرية منع الانتشار الموجز بعضها أعلاه. وفي تقديرنا أن الفكر الاستراتيجي الأميركي وتابعه البريطاني العاملين على هذه النظرية، قد نالهما النصيب الأوفر من هذه الفضيحة، إذ كشفت الأحداث تلك النزعة الانتقامية المكارثية المتغطرسة التي تحف بالتعامل الدولي للولايات المتحدة وبريطانيا، وأوضحت الهدف الأساسي لهذا الفكر وما يدعو اليه من سياسات، وهو استمرار الهيمنة «الغربية» العالمية، استنادا الى احتكار عناصر القوة بكل أنماطها وفي طليعتها أسلحة الدمار الشامل. أجواء ما بعد 11 سبتمبر أظهرت غياب الأبعاد الحقوقية والقانونية والأخلاقية عن السياسة الأميركية بشكل قياسي. فقد هددت واشنطن بلا مواربة باستخدام أسلحة الدمار الشامل ضد قوى دولية أخرى.. وذكر مسئولون أميركيون كبار أن واشنطن لن تنفي هذا الاستخدام اذا ما تعقدت مهمات قواتهم في مسارح عمليات بعيدة. وأيقن كل من له سمع وبصر بأن القوة وحدها هي المعيار الحاكم للفعل السياسي الدولي من جانب الادارة الأميركية. ولعلنا لا نبالغ إن ذهبنا الى أنه لا أحد في عالمنا الراهن يملك ضمانة بأن هذه الادارة سترعوي عن تنفيذ تهديداتها في لحظة من لحظات الغرق أو الانفعال الذي بات سمة لصيقة بسلوكها. اتضح أيضا أن غيرة واشنطن على قضية منع انتشار الاستخدامات العسكرية للطاقة الذرية، لا تعود الى حرص منها على السلم والأمن الدوليين أو حظر تسلل الأسلحة غير التقليدية الى النظم التسلطية أو الحركات «الارهابية»، فهي تراجعت عن معاقبة نيودلهي واسلام أباد، اللتين دخلتا النادي النووي عنوة، بمجرد أن استشرفت مصلحة ذاتية لها في ذلك. ولنا أن نحدث ولا حرج عن موقفها غير السوي وغير المنطقي من استحواذ دولة ارهابية قحة كاسرائيل لأكثر من مئتي قنبلة نووية مع وسائل نقلها الى عوالم قريبة وبعيدة. والشاهد الآن أن أروقة السياستين الأميركية والاسرائيلية تزدحم بالقوى التي تعتمر الأفكار والمنظورات الأيديولوجية شديدة التطرف. وفيها من يتبنى ويعلن جهراً أنه سوف يتحسس الأسلحة غير التقليدية إذا ما قدر للمصالح الأميركية أو الاسرائيلية مجابهة أزمات معينة. تصدر هذه النوايا عن عواصم صدعت رؤوس الخلق مطولا بأقوالها وخطابها الممجوج حول الديمقراطية والرشد السياسي وحسن التدبر ومقاومة الانفعالات والتفكير بعقل بارد.. هذا في حين تتخذ القوى الموسومة بـ «الارهاب» وبعكس كل المزايا السياسية الحسان، مواقف رزينة غير تصعيدية إزاء هذه العواصم. إنه بالفعل عالم ما بعد 11 سبتمبر الذي يكشف تباعا عن الكثير من المخبوء.. والمثير. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة