تكلف الأخطاء الطبية الناس حياتهم في بعض الاحيان، وفي الاحيان الأخرى تصيبهم باضرار كان يمكن تلافيها لو لم يكن هناك اهمال. كما تكلف اخطاء قيادة السيارات الناس حياتهم في بعض من حوادث السير، او قد تلحق بهم اضراراً جسيمة كان بالامكان تجنبها لو لم يكن هناك اهمال. ويتسبب الاهمال في ضياع أسر بأكملها حين يغيب الراعي عنها ويسلمها للذئاب البشرية والظروف المعيشية القاسية. غير ان محترفي الهروب من تبعات الواجب لا يعترفون مطلقا بإصابتهم بداء الاهمال بل يعللون تقصيرهم بأنه خطأ غير مقصود ويتخلصون بذلك من عنف السؤال الملقى على مسامعهم، ومن عنف المواجهة مع الحقيقة ويفوزون بالمزيد من الاسترخاء غير مكترثين بما جسد اهمالهم من مساويء واخطاء!! وبعيداً عن حوادث السيارات التي قد يدفع المهملون ارواحهم ثمنا لها، فان كثيراً منهم لايزالون يمارسون اخطاءهم دون ان تطالهم يد القانون او حتى ينالهم اي لوم او حساب. من الاخطاء الطبية التي سببها الاهمال هذا المثال الذي ترويه «م.ح» والذي كاد ان يكلفها صحتها وسلامتها. تبدأ الحكاية كما ترويها «م.ح» حين زارت طبيبا للعيون في احد المستشفيات الخاصة بعد ظهور كيس دهني صغير على احد جفنيها. وبعد تشخيص المرض طلب منها الطبيب الحضور في اليوم التالي لإجراء عملية بسيطة لإزالة ذلك الكيس الدهني العارض. وفي اليوم المحدد ذهبت «م.ح» الى المستشفى وطلبوا منها ان تنام على سرير متحرك وحملوها الى غرفة العمليات. وقبل ان يقترب منها طبيب التخدير سألها الجراح ان كانت مستعدة لإجراء عملية جراحية في البطن ام انها تشعر بالخوف؟ تقول بطلة القصة: لقد صعقت من كلام الجراح واخبرته ان مشكلتي ليست في البطن انما هي في جفن العين واشارت بيدها الى عينها. ذهل الطبيب بدوره وبادرها بالسؤال عن اسمها فلما اخبرته قال لها: لقد ادخلوك في المكان الخاطيء فلست انت المريضة التي كنا ننتظرها!! لقد كان الواجب يقتضي ان تتم مطابقة اسم المريضة مع الملف الصحي المصاحب لها قبل حملها الى المكان الخاطيء ولولا تدخل العناية الالهية لحدث مالا تحمد عقباه، ولدفعت هذه المرأة ثمناً باهظاً لخطأ سواها وتقصيره!! ورغم ان هذه القصة قد مضى عليها بعض الزمن واصبحت لدى تلك المريضة مجرد ذكرى ترويها لزميلاتها وهي تضحك سروراً على نجاتها من ذلك الفخ الذي صنعه لها الاهمال. الا ان الكثيرين من المتساهلين في اداء الواجب مازالوا ينعمون بالهدوء وراحة البال!! ان التراخي عن تدارك الاخطاء يغري بالمزيد منها، بل وقد يؤدي الى تقديم من ليسوا بأهل لتحمل المسئولية وهو مؤشر خطير على وجود مساحة هائلة من التسامح الغريب والسلبية الملحوظة في معالجة القصور والضعف الذي يبديه فريق المتساهلين من الموظفين. وقد سألتني معلمة فاضلة بنبرة مشوبة بالضيق قائلة: اتساءل بيني وبين نفسي ترى هل اخطأت في تقييمي لطالباتي، وهل جانبني الصواب وانا احاسب مجموعة منهن كن مثالاً للشغب والتقصير والتفريط في الواجبات؟ واذا بعجلة الزمن تدور مسرعة وارى هؤلاء من جديد وقد تسلمن وظائف هن اعجز عن الوفاء بتبعاتها، تقول وعلامة الذهول ترتسم على قسمات وجهها الجاد: صدقا اقول هؤلاء غير جديرات بتلك الدرجة الوظيفية التي حزن عليها. ثم اردفت قائلة ترى من الذي ادرك فينا سر النجاح. وعرف موازين التفوق هل هي انا التي تحتكم الى معيار ثابت ام اولئك المتسلقات على اكتاف الاخرين. علت المكان سحابة من الوجوم، وبدا ان اي اجابة لن تكون مقنعة لذلك الصوت الذي قرع أجراس الخطر!!