اما الأسود فهو شخصي الضعيف.. والبيت الابيض يعرفه الكثيرون خاصة اولئك الذين يحجون اليه كل عام ليؤدون فروض الطاعة والولاء لقاطنه وساكنه... وليتلقوا الاوامر ما ظهر منها وما بطن... جاءت زيارتي للبيت الابيض خلال رحلة قمت بها الى واشنطن بعد مرور احد عشر يوماً فقط من زلزال الاحداث الذي هز امريكا في سبتمبر 2001. فقد عبرت الساحة والحديقة الخضراء وانا امشي على مهل متوقعاً بين الفينة والاخرى ان يداهمني صوت الحراس.. ايها الاسود الى اين ذاهب انت؟ اتعتقد انها زريبة بلا حراس! لكن احداً لم يسألني.. وحسبت وقتها ان صلة قرابة تجمعني بالاسود القابع داخل البيت الجنرال كولن باول او هكذا اعتقد الحارس، او ربما اعتبرني ابن خالة كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي.. سررت لموقفي فقلت هكذا ينفع اللون الاسود في البيت الابيض.. المهم واصلت طريقي الى حيث البوابة الرئيسية ثم اخرجت من جيب بنطالي كاميرا صغيرة واستأذنت شاباً ابيض يقف على مقربة مني ان يلتقط لي صورة للذكرى، فطالما انني لم ازر هذا البيت كرئيس عربي، فها هي الفرصة مواتية امامي، واكملت جولتي وخرجت.. ثم يممت وجهي صوب مبنى الكونجرس.. ولم اجد هناك من يسألني عن مقصدي او حتى هويتي، وفعلت ما فعلته في البيت الابيض.. وبعدها ذهبت الى مبنى البنتاجون ولم يمنعني احد.. وبعدها سألت نفسي.. ترى لماذا لم اكن موضع مساءلة.. وهل الرقابة الالكترونية وحدها تكفي لزائر الى مواقع حساسة كهذه؟ وكيف كان سيكون موقفي لو فعلت ذلك في بلد عربي تعرض لما تعرضت له امريكا وبذات الحجم من الدمار الكارثي؟ ثم قلت او ليس ما حدث في امريكا نتج بسبب ضعف الرقابة وانعدام المساءلة والتباهي بالقدرة على كشف البلاء قبل وقوعه؟ الا ان سؤالاً ظل يقفز دائماً الى ذهني، لماذا تعتمد امريكا دائماً في حسم امورها وحل مشاكلها وردع خصومها على منطق القوة وليس قوة المنطق؟ ولماذا تسعى وحدها لتتولى مسئولية الجانب العسكري في حملتها وجربها ضد الارهاب؟ هل لأن مشاركة الآخرين ستمنعها من سحق اعدائها وهزيمة خصومها؟ ثم لماذا تتعلل دائماً بعدم أهمية الامم المتحدة وعدم حاجتها لطلب صلاحيات منها لخوض اي حرب ترى ضرورة خوضها؟ بكل تأكيد ان امريكا تريد ان تعبر عن نهجها المتشدد لتحقيق نظام عالمي جديد، تسوده هي بكل قسوة وبكل قوة ودون مشاركة من احد، ومن ركام انقاض الـ «توين تاورز» خرجت احداث سبتمبر كأقوى مبرر لها لفرض ما تريده وخوض ما تسعى اليه لتصبح اللاعب الاساسي في صياغة العالم الجديد بينما تركت للاخرين اداء دور الكومبارس. تداعي الذكريات واجترار الذاكرة وتقليب اوراق المذكرة قادتني اليه جلسات المنتدى الاعلامي العربي الثاني الذي عقد مؤخراً في دبي بحضور كثيف لرجال الاعلام الذين يمثلون العرب والغرب في محاولة لكسر جدار عدم الثقة القائم بين الطرفين، وسعياً لاختراق الغرب برؤية عربية ناضجة.. وجاءت خلاصة القول ان المسئولية تقع على العرب المتواجدين في الغرب خاصة امريكا لاداء الدور المطلوب. وعدت بذاكرتي حيث زيارتي الى حي بروكلين موطن الزنوج والجاليات العربية المختلفة. فتذكرت تلك المطاعم والبقالات العربية التي تتحدث بلهجات مختلفة وتمارس حياة الداخل في الخارج.. والالتفاف القبلي حيث كل على شاكلته لا يتحدث غير لهجته ولا يمارس سوى عاداته.. لا يختلط بالاميركي ايا كان من السود او البيض، بل لا يتحدث الانجليزية رغم ان بعضهم يحمل الجنسية الاميركية وله سنوات طوال على ارضها.. ولا يهمه الآخر في شيء، بل ولا دافع لديه ليعرض قضاياه او يشرح مشكلاته.. او حتى يفند الاتهامات ضده.. بل يتفاخر بأنه مصري او سوداني او يمنى او غير ذلك.. ويكفيه فقط الجواز الاميركي لانجاز اموره والبقاء بصورة قانونية طوال فترة اغترابه. وبالطبع فأن حالة كهذه لن تفيد العرب بشيء، ولن تسهم في حسم قضاياهم ولن تنقل وجهات نظرهم للآخرين.. ونظرة لليهود في اميركا رغم قلتهم تؤكد ان الكيفية وليست العددية هي الاهم.. فاليهود متغلغلون في المجتمع الاميركي ومؤثرون فيه.. حيث يسيطرون على اهم مفاصله.. المال والاعلام.. اما نحن فجلسات السوالف في المطاعم والمقاهي تكفي، واكل الكسرة والكشري والكسكسيه يكفي.. والتغلغل في عروبتنا واقليميتنا هو الاهم. ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. آخر نقطة يقال: زيادة القول تحكي النقص في العمل.. واسلوب المرء قد يلقيه في مواضع الزلل!