كيف نطمئن ان التشعيب الذي اقر في التربية والتعليم سوف يرفع من مستويات الطلبة في القسم الادبي بعد ان يتناولوا جرعات من المواد العلمية المختلفة قد لا تتناسب مع قدراتهم العقلية في استيعابها خلافاً لميولهم من هذا الباب. ما هي الضمانات العلمية والتربوية التي يمكن ان نمسكها بأيدينا وهي مازالت على الشجرة لعدم اهتزاز العقول والنفوس بالصدمات التغييرية في المناهج خلال الفترة المقبلة من خطة عشرين عشرين المرحلية؟! هل يمكن للمناهج التربوية الجديدة اضافة بعد آخر الى القلق الذي يستشعره ابناؤنا من الآن على مستقبلهم العلمي؟ وما هي الدراسات التجريبية لمثل هذه التغييرات التي يشتكي مدرسو المواد العلمية انفسهم من خطورتها على الحياة العلمية للطلاب والطالبات الذين يهربون من القسم العلمي اما في بداية الفصل الدراسي او بعد حين؟ هناك ميول داخلية لكل انسان يجب مراعاتها لأنها غير قابلة عن طريق التشعيب للتأقلم السليم مع كل موجة تغييرية تواجه انظمة التعليم بالدولة ولفترات قياسية في قصرها، بعيدة عن الدراسات المقارنة بين الماضي والحاضر لمعرفة متطلبات المستقبل في هذا الجانب الحيوي عند التفكير في تغيير نمط المناهج السائدة. هل هناك بديل عن التشعيب يمكن الحديث من خلاله ام انه قدر محتوم يجب مواجهته بشجاعة الايمان الظاهر والخفي؟ ما يجري اليوم في أروقة التربية بالنسبة لعملية التشعيب لا يختلف ادارياً عن التذويب بين الدرجات بالغاء بعضها ودمج الآخر حسب الاوضاع المادية للمؤسسة عندما تضغط الميزانيات اكثر من قدراتها على العطاء. اذا كان الهدف من هذا التشعيب هو تقليل الفروقات بين القسم العلمي والادبي للوصول الى الالغاء التام لهذا الانقسام، فمعنى ذلك متابعة هذا التشعيب حتى ابواب الجامعات والكليات والمعاهد التي سوف تستقبل هذه المخرجات المستجدة فمن المسئول بعد ذلك عن مواصلة هذا الطريق الذي يبدو وعراً حسب المدى المنظور؟! الا يمكن ان يكون التفريع افضل من التشعيب، بمعنى البدء بالتخصصات الدقيقة في وقت مبكر فرضاً بعد المرحلة الاعدادية، بحيث يتابع التلميذ منذ المرحلة التأسيسية في اكتشاف مواهبه وقدراته وهواياته ورغباته حتى اذا قضى قرابة العشر سنوات في سني الدراسة الاولى قام اخصائيون بعملية قياس وتقويم مركز لمعرفة ما هو انفع لهذا الطالب لكي يوجه الى المجالات التي يفتقدها سوق العمل الحقيقي بالدولة. ان اي تغيير في طريقة التدريس وتوابعها من المناهج وغيرها ينبغي الا يغفل قنوات المجتمع التي سوف يسبح فيها الطالب وهو يرى ويسمع عن قلة الوظائف التي تلبي احتياجاته اولاً، ومن ثم احتياجات المؤسسات والدوائر الخاصة بالعمل الميداني. فعندما يقوم طالب الزراعة بأداء واجبات طالب الاعلام، وطالب الكمبيوتر بتخليص المعاملات في الشركات الخاصة وطالب السياسة يبحث عن مشروع تجاري صغير يقيم به أوده، فإلى متى يستمر هذا الحال؟! ان مناهجنا القابلة للتغيير بجرة قلم لا تستطيع الصمود امام تجارب الفئران في المختبرات التي تستعجل بنتائجها التطبيقية على الانسان. متى سنرى قافلة النجارين والكهربائيين والصناعيين والحدادين من المواطنين يشقون طريقهم الى اسواق العمل التي نراها منشورة في الاحياء والازقة الضيقة ولا اريد ان اذهب بعيداً الى الخياطين ومدراء المطاعم الممتدة، فضلاً عن مئات الفنادق التي تشيد في الدولة ولا تجد فيها مواطناً يدير بعضاً منها، فهل يمكن من خلال التشعيب المرتقب توفير كل ذلك ام ان هذه التخصصات خلقت لغيرنا فلا يجوز لنا الاعتداء عليها.