كنت اتابع اخبار انعقاد قمة حلف شمال الاطلسي التي عقدت قرب العاصمة الايطالية روما يوم الثلاثاء الماضي، حينما قرأت وسط هموم الاخبار السياسية خبراً مضحكاً اخرجني من بعض العبوس والانقباض الذي تملأ به الاخبار نفوسنا في كل لحظة. والخبر باختصار يشير الى ان العراة في ايطاليا قاموا بثورة واحتجاج مصاحب لانعقاد القمة الاطلسية، وتقدموا باحتجاج رسمي ليس الى عمدة روما او الى بلديتها وانما مباشرة الى رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلسكوني ـ مما يكشف حجم نفوذهم، وذلك بسبب قيام السلطات الايطالية باغلاق احد الشواطيء المخصصة لهم ضمن الاجراءات الامنية المتبعة اثناء انعقاد القمة، حيث لا يبعد هذا الشاطيء الذي يدعى شاطيء كابوكوتا سوى كيلومتر واحد عن مقر القمة. والذين لا يعرفون ايطاليا جيداً ربما لا يقفون كثيراً عند الخبر، لكن الذين يعرفونها جيداً يدركون ان هناك ابعاداً اكبر للخبر تخرجه عن كونه مجرد خبر عادي اذ انه يكشف حجم النفوذ الذي يتمتع به دعاة التعري في ايطاليا، حيث تتمتع ايطاليا بخصوصيات في هذا المجال ربما لا تكون متاحة في الدول الاوروبية الاخرى. فالذين يسافرون الى اوروبا يعلمون تماماً ان الفساد له موطنه واماكنه المعروفة ومن يريد ان يذهب الى مواطن الفساد يذهب اليها بأقدامه وبرغبته ومن اراد ان يتمتع بجمال الطبيعة وبالاشياء الايجابية في تلك البلاد فيمكنه ان يقوم بذلك دون ان يؤذيه احد، إلا ايطاليا حيث يتواجد الفساد فيها في كل مكان لاسيما في الشوارع حيث يتعرض الانسان للاذى الاخلاقي رغما عنه، وفي معظم شوارع المدن الكبرى وعلى رأسها العاصمة روما تنتشر بائعات الهوى، حتى اني حينما ذهبت بداية التسعينيات الى ايطاليا للمرة الاولى تعجبت لكثرة اللائي كن يقفن في مسافات غير متباعدة ويشرن الى السيارة التي كنت اركبها مع مرافقي، فقلت له لماذا يشرن لنا كأننا سيارة تاكسي، هل السيارات الملاكي هنا تشارك في نقل الناس داخل المدينة فضحك صاحبي واخبرني بالحقيقة التي اصابتني بشيء من الكآبة، وما وجدته في روما وجدته في ميلانو وفي معظم مدن ايطاليا الآخرى حيث تشير احصاءات نشرتها الصحف الايطالية الى ان عدد هؤلاء يزيد على مليوني بائعة هوى ممن يقفن فقط في الشوارع والادهى من ذلك هو الاعداد الكبيرة للشواذ الذين يفدون من جميع انحاء العالم الى ايطاليا، وقد اقاموا بعد مظاهرتين كبيرتين قاموا بهما في بولونيا عام 1995 ونابولي عام 1996 رابطة كبيرة في ايطاليا لحماية حقوقهم، حيث يتمتع هؤلاء بنفوذ واسع داخل ايطاليا. والعجيب ان التعري في ايطاليا اصبح احدى الطرق السهلة للوصول الى مواقع التأثير السياسي في البلاد فاحدى الممثلات استطاعت الوصول الى مقعد في البرلمان بعدما كانت تجوب الشوارع وهي عارية الصدر، اما احدى الممثلات التي كانت مشهورة بافلام التعري فقد وصل زوجها الى منصب رئيس وزراء مما يشير الى مدى النفوذ الذي وصل اليه دعاة التعري في ايطاليا. والامر لا يقف عند الشواطيء او انتشار الدعارة او الافلام بل ان التعري يتخذ وسيلة ايضا للاحتجاج السياسي في ايطاليا، وابرز مثال على ذلك هو ما حدث في ميدان «مونت سيتوريو» في العاصمة روما حيث يقع مقر البرلمان الايطالي، حيث قامت مظاهرة كبيرة شارك فيها المئات من الممثلات الايطاليات في سبتمبر عام 1996 احتجاجاً على الدعوات التي اعلنها زعيم رابطة الشمال الايطالية اومبيرتو بوسي والتي دعا فيها الى انفصال شمال ايطاليا الغني عن جنوبه الفقير، فخرجن هؤلاء يعبرن عن رفضهن للاسفاف الذي دعا اليه بوسي فرفعن لافتة كبيرة كتبن عليها «لا اسفاف اكثر من الاستخفاف.. بالوحدة» وفجأة خلعن جميعا ثيابهن ووقفن عرايا في الميدان تحت حماية الشرطة التي كانت تحمي العري امام البرلمان. ولان الله لا يظلم الناس شيئاً فإن بلاء سرطان الجلد يعصف بالايطاليين بشكل كبير بسبب المبالغة في التعري دون غيرهم، فقد ارتفعت نسبته بينهم الى ثلاثمئة في المئة وحسب احصاءات وزارة الصحة الايطالية، حيث رصدت الحكومة في عام واحد هو العام 96 اكثر من اربعمئة مليار ليرة لمكافحة هذا المرض دون ان تكون هناك اي نتائج ملموسة. والتعري في ايطاليا جعل الفساد يمخر في عباب الدولة وفي كل اركانها، فعلاوة على العصابات التي تكاد تسير كل شيء في البلاد شهدت ايطاليا منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن تغيير ما يقرب من ستين حكومة، اي ما يعادل حكومة كل عشرة اشهر وهو من اعلى معدلات تغيير الحكومات في العالم، اما تورط السياسيين في الفساد فهو لا يقف عند حد كبار الموظفين بل يصل الى رؤساء الوزارات. ومادام الكثيرون هناك يخضعون لنفوذ العراة فإني اعود الى صدر الموضوع حيث كان الاعتراض الاساسي للمتحدث باسم الرابطة المحلية للعراة في الاحتجاج الذي رفعه لرئيس الوزراء الايطالي، يقوم على حجة لاتحتمل النقاش في تبرئة العراة من اي شبهة من القيام بأي محاولات او عمليات ارهابية يمكن ان تهدد القمة الاطلسية، وهي ان «العراة مجردون من اي شيء يمكنهم من اخفاء السلاح» وشر البلية ما يضحك. ـ كاتب واعلامي مصري