مهما حشدت في ذهنك من الحياد والموضوعية والتجرد، فإنك بعد ان تستكمل مطالعة التقرير السنوي لوزارة الخارجية الاميركية عن «الارهاب العالمي» لعام 2001، لن يسعك إلا ان تستخلص ان الولايات المتحدة تنصب نفسها مدعيا عاماً وقاضياً في آن معا.. ثم ان الاحكام التي تصدرها غير قابلة للاستئناف.. ولا حتى للنقاش. من عام لعام درج التقرير على ادانة سبع دول هي ليبيا وسوريا والعراق وايران والسودان وكوبا وكوريا الشمالية.. وهي ايضا نفس الدول التي تلحقها ادانة مماثلة على صعيد حقوق الانسان في تقرير آخر يصدر ايضا سنوياً عن وزارة الخارجية الاميركية. وتتزاحم الملاحظات الانتقادية في ذهنك كلما توغلت في قراءة تقرير «الارهاب العالمي» فكل جملة مفعمة بالافتراء والتلفيق والاحكام غير المؤسسة. لكن لنطرح أولاً سؤالين اولين: ـ من اعطى الحق للولايات المتحدة لتجعل من نفسها وصياً وحكماً على هذا العالم بدوله وشعوبه؟ ـ على أي أساس تعمد واشنطن الى تصنيف الدول فيما يتعلق بما تطلق عليه «الارهاب العالمي»؟ هل على اساس مباديء مثالية وأخلاقية معترف بها دولية أم على أساس اعتبارات المصالح العالمية الذاتية للولايات المتحدة؟ ـ وما هو «الارهاب» في كل الاحوال؟ مثل هذه الاسئلة يتغافل تقرير وزارة الخارجية الاميركية عن الاجابة عليها، لان اي محاولة للاجابة تؤدي حتما الى فضح المسألة برمتها. وقبل ان ننظر في الحالات التي اشتمل عليها التقرير ينبغي أولاً ان نتنبه الى ان خمساً من الدول المدموغة بالارهاب ـ ليبيا وسوريا والعراق وايران والسودان ـ دول مسلمة، وكأن معاداة المسلمين هي الاساس الذي ينطلق منه التقرير. فهذا الحكم يتناغم مع ما يجري على الارض في اطار «الحرب على الارهاب» التي تقودها الولايات المتحدة. فهذه الحرب محصورة حتى الآن من حيث الفعل او النية المبيتة في ثلاثة بلدان اسلامية: افغانستان وفلسطين والعراق، ثم ان الحرب تشتعل او هي على وشك الاشتعال «العراق» على خلفية مطاردة استخبارية بمساحة العالم كله، لا تستهدف سوى منظمات وشخصيات اسلامية. ولننظر الآن في الامثلة وحيثياتها كما ورد في التقرير الاميركي. ان تنظيم «القاعدة» هو المحور الاساسي الذي يعتمده التقرير للارهاب العالمي، ومع ذلك فإن مؤلفي التقرير يقرون بأنه ليس لأي من الدول السبع المشار اليها علاقة مع تنظيم «القاعدة». لماذا اذن تدمغ هذه الدول بتهمة «الارهاب» وفقا للمعيار الاميركي ـ ان كان لواشنطن معيار محدد فعلا؟ هنا نأتي الى الحيثيات الاحادية. فإيران «حظيت» بلقب «اكثر الدول الراعية لـ «الارهاب» نشاطاً»، لانها توفر دعما لكل من «حزب الله» اللبناني وتنظيمي «حماس» و«الجهاد» الفلسطينيين. وسوريا توفر قاعدة انطلاق للمنظمات الفلسطينية المعارضة لاوسلو. ومعنى ذلك ببساطة ان المرتكز الرئيسي لـ «الارهاب» بالمفهوم الاميركي هو معارضة اسرائيل.. بغض النظر عن ميثاق الامم المتحدة والقانون الدولي اللذين يعتبران ان النضال من اجل التحرر بكل الوسائل في وجه احتلال اجنبي مشروع دون تحفظ. اما عن السودان فيقول التقرير ان تنظيم «الجهاد» المصري لايزال يستخدم اراضيه كمأوى آمن، وهنا يطرأ سؤالان يتغافل عنهما التقرير تماماً. أولا: هل تسلل عناصر هذا التنظيم المصري الى الاراضي السودانية يجري بمعرفة الحكومة السودانية وموافقتها ام بدون علمها؟ ثانيا: اذا كان ما ذكره التقرير صحيحا فما هي الاجراءات التي اتخذتها الحكومة الاميركية لوقف هذا التسلل؟ بقي العراق وليبيا وما ورد في هذا الصدد لا يخلو من طرافة. فقد حكم على العراق بأنه دولة «ارهابية» لانه لم يشجب احداث 11 سبتمبر! اما ليبيا.. فإن التقرير بعد ان دمغها بالنعت بـ «الارهابي» الذي لا مرد له، فإنه اكتفى باصدار حكم دون حتى حيثيات ملفقة، هنا نواجه سكوتاً تاماً.. فلا يبقى إلا التخمين. وبالطبع فإن التقرير لا يحوي شيئاً عن ارهاب الدولة الاميركي.. وكيف تدير وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية انقلابات للاطاحة بأنظمة ديمقراطية، فواشنطن هي المدعي والقاضي معاً.