كانت حرب الأيام الستة عام 1967 هزيمة عربية بكل المقاييس العسكرية. وهي المقاييس نفسها التي اعتبرت حرب أكتوبر 1973 بعد ذلك نصرا عربيا. غير ان بعض خبراء السياسة والاستراتيجية يؤكدون ان (الهزيمة) بمعناها العسكري يجب ان تكون نتاجا لمواجهة بين جيشين متقاتلين أو جيوش متقاتلة وما حدث في هذه الحرب ان الجندي المصري لم يختبر ولم يستخدم سلاحه في مواجهة عسكرية مباشرة مع القوات الاسرائيلية التي باغتته وامتلكت زمام المبادأة بالضربة الأولى. ورغم هذا التبرير الذي قد يكون له بعض الجوانب الموضوعية الا انه في تقديري ان حرب يونيو كانت للجيل الذي رضع منذ نعومة أظافره مبادئ القومية العربية وتعلم قيمة الانتماء للعروبة واعتبر الوحدة العربية غاية كبرى وحلما قوميا ينبغي توحيد الصفوف وحشد الجهود من أجل تحقيقه حتى يمكن مواجهة المشروع الصهيوني المتربص بالأمة، نقول كانت حرب يونيو لهذا الجيل بمثابة صدمه قوية نجحت الصهيونية العالمية في توجيهها نحو ما تريده بالاساس ليس فقط من أجل العدوان والتوسع واحتلال أراضي الغير ولكن كانت محاولة لاقتلاع النظام القيمي لهذا الجيل وتشويه الهوية العربية وهز الثقة بالنفس في القدرة على المواجهة لابناء الأمة العربية. واذا كان جمال عبد الناصر قد أعلن تحمله المسئولية الكاملة عن الأخطاء العسكرية التي أدت الى وقوع ما حدث مما حدا به الى التنحي عن مهامه السياسية يوم التاسع من يونيو عام 1967 الا ان الخروج الجماهيري العفوي والتلقائي الى الشوارع في مصر والعالم العربي لاعلان رفض الهزيمة والتمسك بعبد الناصر لاستمراره على رأس القيادة في مرحلة ما بعد العدوان وذلك بعد أربعة أيام فقط من بدء الحرب قد أكد بما لا يدع مجالا للشك ان التمسك (بالرمز) كان في واقع الأمر انطلاقه نحو الرغبة في اعادة البناء وازالة آثار العدوان ومن ثم الأخذ بالثأر من العدو. وأتصور ان الفترة الزمنية بين يونيو 1967 وأكتوبر 1973 كانت أشد قسوة على النفس من صدمة الهزيمة لكل من عاصروها خاصة في فترة الاعداد لحرب أكتوبر التي سبقتها مرحلة كانت بالفعل حالة من اللاسلم واللاحرب شعر فيها المرء أحيانا انه يسير نحو سراب في صحراء قاحلة وسط أجواء من الغريب انها كانت ملبدة بالغيوم وتحديدا في العامين 71 و1972 ولكن عندما اتخذ أنور السادات قرار الحرب وعبرت القوات المسلحة قناة السويس تنفس الجيل الذي ملأه القنوط والغضب الصعداء وعادت اليه الثقة بالنفس من جديد وبشكل خاص بعد ان رفع العلم المصري على أرض سيناء المحررة. عدو الامس عدو اليوم غير ان عدو الأمس مازال هو عدو اليوم رغم مرور خمسة وثلاثين عاما ولم ولن تتغير النظرة الصهيونية الى العرب والعروبة لأنها نظرة تأتي في اطار صراع قومي ممتد متعدد الجوانب مهما حاول البعض تجميل الصوره أو تغيير شكل الصراع بالجنوح الى السلام لأن الغدر الصهيوني المستند الى البروتوكولات الأربعة والعشرين لحكماء صهيون أمر لايمكن تجاهله وبخاصة اذا وضعنا في الاعتبار ان ما حدث في حرب يونيو هو جزء من المخطط الصهيوني بعيد المدى في الصراع مع العرب.. هذا المخطط مازال يجري تنفيذه اليوم وأن كان الزمان والمكان والظروف الاقليمية والدولية أمورا مغايرة عن أوضاع العام 1967. ما شهده شهر أبريل الماضي من محاولة اسرائيلية (فاشلة) لتدمير الكيان الفلسطيني مع استمرار الحصار وحرب التجويع والتركيع على شعب أعزل يؤكد حقيقة ثلاثية الأبعاد من الأهمية بمكان ان يستوعبها العرب. أن الفكر الصهيوني مازال يستهدف القضاء على فكرة الدولة الموازية للدولة العبرية من خلال تقويض أسس قيام أي كيان سياسي واقتصادي فلسطيني لأنه يعتبر الدولة الفلسطينية تهديدا مباشرا لبقاء ما يسمى بدولة اسرائيل. مازال الفكر الصهيوني يتحرك بآليات مختلفة تلعب على الخلافات العربية - العربية ويحاول الاستفادة من حالة التشرذم العربية المسئولة عن الضعف العربي الحالي. لأن أي توحد عربي هو في حقيقة الأمر تهديد لأمن وسلامة اسرائيل هذا ما يعتقده الاسرائيليون ويبنون على أساسه مواقفهم. أن الفكر الصهيوني مازال في حالة ( اجترار ) لما حققته اسرائيل في حرب يونيو ويحاول الاسرائيليون استرجاع نشوة النصر على العرب رغم مرور كل هذا الوقت ورغم ان حرب أكتوبر 1973 قد هدمت أسطورة جيش اسرائيل الذي زعم انه لا يقهر وأثبتت هذا النصر بجلاء ان هناك قوة عربية قادرة على ردع الصلف والغرور الصهيوني ولكن أجهزة الدعاية والاعلام الصهيونية في اسرائيل وخارجها حاولت تفريغ النصر العربي من مضمونة. ثقافة الأوهام واذا كان أنصار التطبيع مع اسرائيل أو المتحمسون لما يسمى بثقافة السلام يعتقدون ان المتغيرات الاقليمية والدولية خلال فترة العقود الثلاثة قد مهدت لأرضيه جديدة للحوار بين العرب واسرائيل وأتاحت الفرصة لامكانية حدوث تلاقي على نحو ما بين الجانبين فان الأحداث الدامية والمجازر الشارونية في شهر أبريل الماضي في جنين ورام الله وبيت لحم وغيرها من المناطق الفلسطينية أكدت عدم صدق هذه الرؤية لأن الأسس التاريخية التي أستندت اليها الدولة الصهيونية لم تتغير ولن تتغير سواء على المدى المنظور أو البعيد. وأحسب انه حتى لو تحقق أي شكل من أشكال السلام وهذا أمر مستبعد في الوقت الراهن لن يلغي الاطار المرجعي للفكر الصهيوني المشار اليه في الحقيقة ثلاثية الأبعاد المذكوره آنفا. ومن هنا يجب على الجانب العربي ألا يغفل هذه الحقيقة عند التعامل مع الجانب الاسرائيلي الذي لم ينس أبدا ان قوته ستظل دوما في ضعف العرب وكانت حرب يونيو شاهد عيان على ذلك. وحتى لا ننسى نحن ان الهزيمة العربية في 1967 كانت نتاجا ( اسرائيليا- أميركيا) واجبار العرب على قبول قرار مجلس الأمن رقم (338) بوقف اطلاق النار في حرب أكتوبر 1973 كان أيضا نتيجة وقوف أميركي (سياسيا وعسكريا) الى جانب اسرائيل المهزومة في هذه الحرب. ثم كان الاجتياح الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية وضرب عرض الحائط بكل مرجعيات السلام في ابريل الماضي كان ثمرة التأييد الأميركي المطلق. وعليه يأتي تحذير النظام الرسمي العربي بعدم الانجرار الى الموافقة دون رؤية على صيغ اسرائيلية (أميركية) تحت مسمى مؤتمر السلام أو غيره حتى لا يحدث الالتفاف على الحقوق العربية المشروعة وبخاصة حق الشعب العربي الفلسطيني في اقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. بالأمس كانت حرب يونيو درسا لا ينسى لعدم تقدير حجم قوة العدو واليوم يجب ان نتذكر دائما ان التقدير الحقيقي لقوة العدو سيظل رهنا بقدرتنا على تقدير القوة العربية الفاعلة في حلبة الصراع! ـ كاتب مصري