غداً سوف تحل الذكرى الخامسة والثلاثون لحرب يونيو 1967، ولم تخسر القضية الفلسطينية معنويا منذ ذلك التاريخ كما خسرت في السنة الأخيرة، وأول ما خسره الشعب الفلسطيني ، من نتائج الحرب السادسة التي استغرقت معظم أشهر العام الماضي وسميت بـ «الانتفاضة الثانية» هو حرمانه كشعب من دور «الضحية» امام العالم. ففي ظل تكتيكات سياسية مضطربة وقراءة غير موضوعية للواقع، انساقت قيادات الشعب الفلسطيني برمتها الى ما فرضته قوى «الشباب» تحت تأثير الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان الذي جرى في مايو 2000، حيث بدأت «الانتفاضة الثانية» في سبتمبر من ذلك العام، ولم تعرف القيادة كيفية التحكم في التداعيات الحاصلة بعد ذلك، ومنها اسوأ ما يمكن ان يحصل لقيادة في مثل مكانها. اما الاكثر سوءا فهو ما نشاهده كمتلقين على شاشات التلفزيون في المحطات الفضائية من زحمة المتحدثين من الفلسطينيين، وما يجري على ألسنتهم من تشعب الآراء بل وتضاربها منذ ذلك الوقت، وكأن ادارة المعركة ليست بمنازلة الخصم سياسيا على الساحة الدولية، بل بازجاء الوقت في الحديث عبر شاشات التلفزيون! ولقد دفنت تحت غبار هذا العراك قضايا ذات أهمية بالغة في تاريخ الصراع مثل ما دار حول مذبحة جنين، هل هي مذبحة أم هي مجرد اخطاء تقع عادة في المعارك العسكرية. لم يقل لنا أحد ولا للعالم، بطريقة منهجية اين الاجابة الحقيقية، لقد استطاعت اسرائيل وبموافقة دولية تقريبا ان تحول لجنة التحقيق في المذبحة الى لجنة لتقصي الحقائق، ثم تحولت الى لجنة موقوفة عن العمل.. وتبخر النقاش حول المذابح وهو ما يمثل الخسارة التي افقدت الشعب الفلسطيني (الذي قدم الضحايا في جنين) حقوقه الانسانية مرة اخرى! خارج الموضوع وبدأ النقاش من جديد بين المستشارين وأدوات الكفاح حول «الاصلاح» في السلطة، وهل هو اصلاح مطلوب من قبل الدول الفاعلة عالميا، ام هو أمر املته اسرائيل، ام هو حاجة ومطلب تجمع عليه كل طوائف الشعب الفلسطيني؟ ودخل الجميع في نقاش الاصلاح: كيف؟ ومتى؟ ومن يقوم به؟ ولا يزال النقاش مستمرا، وايضا على اتساع وسائل الاعلام، ووصل الى درجة مغرقة في التفاصيل، الى حد طرح مسألة مثل: هل يحق أن يعمل المستشار سفيرا ووزيرا وعضوا في المجلس الوطني أم يقتصر على وظيفة واحدة؟ ثم تحول النقاش الى من هو الوطني ومن هو الخائن، ومن هو حامل أختام المال، وكم هي الأموال المتجمعة بحوزة السلطة؟ وفيما تنفق؟ وهل ياسر عرفات فاسد أم مفسد فقط؟ وكلها قضايا خارج الموضوع الرئيسي، وبالتأكيد خارج أولويات المواطن الفلسطيني واهتمامات المواطن العربي. يدل هذا النقاش على تفسخ واضح في آليات السلطة القائمة، وأكثر من ذلك على فقدان البوصلة السياسية والأجندة الموجهة لها، وهي نتيجة لم تكن مفاجئة لكثيرين، من جراء ما تراكم من الاخطاء والخطايا في تعامل الآباء التاريخيين مع هذا الملف المهم والشائك. الذي تتجمع همومه كلها تحت تعبير «تحرير الوطن». ولعل الأمثلة الأخيرة التي تعبر عن فوضى ردود الفعل هي التي استرعت اهتمام وكالات الانباء وتناقلتها عن الفتاة تورية حمامرة، والشاب جهاد الطيطي، فالاولى تقول انها هي التي تراجعت عن عملية تفجير، حيث دربت لمدة ساعة على العملية، وكانت دوافعها شخصية لا سياسية، اما الشاب جهاد الطيطي فقد قام بتفجير نفسه في مدينة «بتاح تكفا» انتقاما لقتل ابن عمه! هؤلاء الذين قضوا من اعمارهم شطرا كبيرا خارج الاحتلال، ثم عادوا اليه مع وزراء ومستشارين من منافيهم البعيدة، وربما المريحة، على غير اتصال بما هو على الارض الفلسطينية من أحداث وتطورات، وعلى غير ادراك التكتيكات العدو الماثل أمامهم يوميا، وعلى غير علم بما يمكن أن يستخدم من وسائل، وما لا يمكن ان يستخدم في ظل الظروف الدولية المتغيرة، وما جلبوه معهم من «شباب» يستعجلون الوراثة ويقومون بما يحلو لهم من أعمال تسودها المزايدة وليس فيها شيء من الانضباط.. هؤلاء وأولئك آن لهم ان يستريحوا. قد يبدو من الافضل ان يقود المعركة، في المرحلة المقبلة من هم اقرب واعرف بعدوهم، واعني الفريق الثالث الذي يتحدث بلغة العصر، من فلسطينيي الداخل قادة المنظمات المدنية، الذين يحملون رؤية جديدة لادارة الصراع، خاصة وهم يرون امامهم رئيس وزراء سابقا لاسرائيل هو ايهود باراك، يقاد الى المحكمة لأن بعض اعوانه استخدموا طرقا غير قانونية في جمع المال لحملته الانتخابية الاخيرة! انهم اصحاب الطريق الثالث، وهم الآن، مع الاسف، واقفون خلف الصفوف وخارج شاشات التلفزيون، ولكنهم يملكون برنامجا محددا وأجندة واضحة. ولعل اول ما هو مطلوب من الفريق الثالث هذا هو اعادة تأكيد الحقيقة المعروفة، ان هذا الشعب هو ضحية، وليس جلادا، هو هدف للارهاب وليس مصدرا للارهاب، وهنا لابد من وقف المغامرات السياسية التي تقوم بارسال المتطوعين لاغتيال انفسهم بين مدنيين، هذه العمليات التي ربما تؤثر ايجابا في المجتمع «الأهلي العشائري الطائفي»، ولكنها بالتأكيد تؤثر سلبا وبضرر بالغ في المجتمع المدني، وهو مجتمع تتحكم قيمه في العالم الأكثر قدرة على التأثير. خطر ماثل لعل التكتيكات التي ظهرت على الساحة منذ اشهر قادها مؤشران، الأول فشل محادثات كامب ديفيد بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية، والثاني انسحاب اسرائيل من طرف واحد من جنوب لبنان. في الحالة الثانية الفرق واضح بين الوضع اللبناني الذي تحيطه مجموعة من الظروف المختلفة كليا وبين الوضع الداخلي الفلسطيني، ووضع الاثنين في سلة واحدة هو خطأ واضح نبه اليه كثيرون. اما الفشل في كامب ديفيد، فيبدو انه فشل مشترك للجانبين، تعود اليه بعض الاصوات الفلسطينية المتحدثة في التلفزيون لتقول ان عدم قبوله في وقته خطأ تكتيكي ما كان ينبغي ان يتم. وننظر حولنا لنجد ان العالم يغير جلده، فهذه القيادة الصينية تخلع ملابس النضال «الستيني»، ويلبس قادتها الاطقم الحديثة، ويتكلمون لغة العصر وهذا عراب الموقف الثوري فيدل كاسترو يلبس البدلة ذات الصفين، ويدعو رئيس جمهورية أميركيا أسبق ليلعب معه لعبة الجولف. فالعالم يتغير، وهو يتغير بسرعة كبيرة بعد الحادي عشر من سبتمبر، ذلك اليوم الذي وضع العلاقات الدولية على طريق جديدة بكل المقاييس. وآخر الثوريين الذي لم يتغير هو ياسر عرفات، الذي لم يتخل عن ملابسه التي تبدو وحيدة في الشكل بين صفوف الفلسطينيين، بل الاكثر من ذلك انه لم يغير ايضا تكتيكاته بما يناسب الوضع العالمي الجديد. فكرة «القوة تواجه القوة» التي يدعو اليها البعض في الاذاعات قد تكون صحيحة، عندما تصبح القوى متكافئة او متقاربة. اما ان يوضع شعب بكامله (كرعايا بادية بين ذئاب ضارية)، فالنتيجة مهما تشدقت الالسنة بالتحدي والصوت العالي هي ما نرى: تفجير للمواطنين وسجن اخرين ومحاكمة طرف ثالث، واستمرار القتل والتشريد! واحد من الاسباب التي جعلت القضية الفلسطينية تراوح في الوضعية التي ترزح تحت ثقلها اليوم هو فقدان القيادة، كما حدث في السنوات التي لحقت 1948. لذا فان الخطر الماثل، في خضم المطالبة بالاصلاح هو أن يفقد الشعب الفلسطيني قدرته على ايجاد قيادة بديلة في ظروف شبه طبيعية، وبشكل سلمي من بين صفوفه، اما اخطر الاحتمالات فهو ان تكون هناك قيادة، ولكنها لا تقود.. بمعنى أنها اما ان تساير وتتلكأ، فتخسر القضية طاقتها الدافعة، واما أن يشذ فصيل أو أكثر عن قراراتها فتخسر الجوهر والطريق معا! ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب ـ الكويت