بلغ مجموع الطلبة المحرومين من التقدم لامتحانات الثانوية العامة بفروعها العلمي والادبي والفني ومن المدارس العامة والخاصة 46 طالبا وطالبة. من يقرأ هذا الرقم قد يحمد الله في سريرته او في العلن على ضآلة عدد الفئة المستحقة للحرمان هذا العام، وقد يرى انه ليس ثمة ما يدعو الى التخوف او الحذر فيما يتصل بواقع التعليم في المجتمع. قد يبدو الرقم ضئيلاً نسبياً، غير ان موضوع تسرب الطلاب من المدارس، وانصرافهم عن الالتزام بواجباتهم تجاه التعليم موضوع شائك وله حضوره واهميته التي تستدعي ان يتنادى لها المعنيون بشأن التربية والتعليم. ومع التسليم بوجود شريحة طلابية في اغلب المجتمعات تنخفض لديها الدافعية للتعلم، وتصل علاقتها بالمؤسسة التعليمية الى طريق مسدود مما يستدعي تطبيق لوائح الحرمان من دخول الثانوية العامة على هذه الفئة من الطلبة والطالبات الا ان قبول مثل هذه النتيجة والاستسلام لها كأمر طبيعي، وكواقع محتوم شيء يقتضي التريث والمراجعة واعادة الحسابات في موضوع كهذا له انعكاساته ونتائجه على مستقبل الطلبة وعلى صورة المجتمع. فلو تساءلنا عن مصير هؤلاء الطلاب الـ 46 وهل سيستأنفون دراستهم في السنة التالية ويعاودون الكرة من جديد ام ستنقطع صلتهم بالدراسة الى الابد. اعتقد جازمة اننا لن نحظى بجواب لدى كافة المسئولين اذ لا يوجد لدى الوزارة كشف نوايا لسلوك الطلاب المحرومين من الثانوية العامة. وهو رد معقول ومقبول وبموجبه سنسحب السؤال الذي طرحناه على الوزارة لنطرحه على اولياء الامور فنسألهم عن مصير العلاقة الباردة التي تجمع بين ابنائهم وبين مدارسهم. وهل يرجى لها الترميم وإعادة البناء بعد هذا الضعف والتدهور الذي آلت اليه. قد لا يكون الجواب حاضراً كذلك لدى اولياء الامور الذين قد يتساءلون بدورهم عن مستقبل ابنائهم، وهل سينصلح بهم الحال ويستفيدون من تجربة هذا العام ام انهم سيلجأون للاستمرار في نفس الدور الذي مارسوه العام الجاري دون ان يكترثوا بمخاوف الاباء والامهات. واذا كان استشراف النوايا امر صعب وغير ميسور، واذا كانت معرفة الغيب الذي يأتي بعد شهور غير متيسرة في اللحظة الحاضرة فماذا عن معرفة اسباب توتر العلاقة بين الطلبة وبين مدارسهم؟ هل ثمة حصر واستقصاء للوقوف على اسباب هذه الظاهرة؟ ام ليس هناك داع لتوجيه مثل هذا السؤال؟! قبل ان نبحث في الاجابة على هذا التساؤل استأذن القاريء لاقدم له هذه التجربة الفريدة التي تعتمدها بعض الشركات الغربية مع موظفيها الذين اختاروا الاستقالة وآثروا اللحاق بجهة عمل أخرى. تتمثل هذه التجربة الرائدة في ان بعض الشركات المتطورة ذات السمعة الجيدة تقوم بتوظيف اشخاص يقتصر دورهم على اجراء مقابلات مع الموظفين المستقيلين للتعرف على اسباب استقالتهم والظروف الحقيقية التي ادت الى الانسحاب من العمل، واكتشاف الخلل او الضعف الذي قد يكون مستتراً وغائباً عن ادارة المؤسسة والذي لو استمر قائماً فسوف يؤدي الى انخفاض مستوى الخدمة الجماهيرية وهو الامر الذي تحذر منه كل مؤسسة تريد لها البقاء والريادة، وتخشى من الوقوع في الاخطاء والعيوب. واستفادة من تجربة المؤسسات الغربية في استقصاء اسباب الخلل كان بالامكان اجراء استفتاء مشابه، واستطلاع مبكر على الظروف التي تدفع بهؤلاء الطلبة الى مثل هذه السلوكيات التي جرّت عليهم الحرمان من دخول الامتحان. اذ ليس هناك شك بان التخطيط الوقائي كان سيساهم في تعديل الصورة لو نال حظه من العناية والتطبيق.