في حديث سبق كان لابد وأن نلمح في عجالة موجزة إلى اسم علي مبارك باشا العلامة المصري الذي يحمل بحق لقب (أبو التعليم) في تراث مصر العربية في العصر الحديث. ورغم أن الأمر لم يكن ساعتها ليقتضي أكثر من لمحة عابرة عن الباشا علي مبارك، إلا أن فضول البحث ـ الذي كثيرا ما يستبد بنا ـ ما لبث بدوره أن دفعنا إلى أن نلتقط من مكتبتنا أكثر من مرجع وكتاب حول الرجل وسيرته والرجل وعطائه. ولقد كنا نعرف أن علي مبارك نشأ فلاحا واجتهد وتعلم وارتقى إلى أن صار وزيرا في عهد الخديوي إسماعيل. لكن التفاصيل كانت غائبة عما نعرفه، وهي تفاصيل تنطوي على جوانب إنسانية ونضالية ظلت تغرينا بل تحثنا على أن نبسط منها شذرات ولمحات نودعها سطور حديثنا هذا وكأنما نتوجه به إلى شباب العرب كي يحيطوا بجوانب مضيئة في تاريخ أمتهم الحديث من جهة ولكي يزدادوا ثقة في أنفسهم وفي ثمرات كفاحهم من جهة أخرى ولاسيما عند المنعطف الراهن من زماننا حيث تتربص قوى شتى بمصائر هذه الأمة ومستقبل أجيالها. ألا ترى إلى أجيال الناشئة كم يبذل آباؤهم من صنوف الإغراءات والجواذب وأساليب الاستمالة لكي يتفضلوا على الأب أو الأم فيصحوا من نوم لذيذ وعميق في فراش وثير ومريح فيذهبوا إلى الحضانة أو المدرسة أو المعهد أو الكلية وقد امتطوا صهوة سيارة فارهة أو متن حافلة مكيفة الهواء ؟ كأنما يمنون عليك أنهم يتعلمون! وهم لا يدرون أنهم في نعمة من الرغد وبلهنية من العيش ولو علموا ما كابده الفتى على ابن العم مبارك بن إبراهيم الروجي المولود في قرية برنبال من أعمال مركز دكرنس في إقليم الدقهلية، شرقي دلتا النيل في شمال مصر في عام 1824 - لو علموا ما لاقاه الولد علي مبارك في الطفولة والصبا من شقاء وبؤس ومعاناة لحمدوا الله كثيرا على ما هم فيه. حين بلغ علي مبارك السادسة كان أهله قد ترحلوا بين مواقع شتى، لا لإشباع هواية السفر واستجلاب متعة الاستجمام أو تبديل الهواء كما كان يقول المخضرمون من المصريين، بل لأن ضرائب حكومة الوالي محمد علي ومن كان بخدمته من سناجق وكشاف وملتزمين ومماليك ممن جاءوا مشردين هائمين على وجوههم إلى بر مصر وحين استقر بهم الأمر تحولوا إلى خدمة الحاكمين فكان أن ساموا أهلها الفلاحين سوء العذاب. ولأمر ما أدرك الطفل وربما أدرك أهلوه أن طوق الخلاص إنما يتمثل في التعليم فكان أن دفعوا بابنهم (علي) إلى معلم ضرير يقرأ عليه مبادئ المطالعة وحفظ القرآن الكريم لكن التلميذ ما لبث أن رفض طريقة معلمه الكفيف الذي كانت طريقته التربوية عبارة عن علم شحيح وضرب مبرح وكثير فتحولوا به إلى كاتب لعله يلقنه أصول الخط والحساب وخاصة جدول الضرب الذي كان يفهمه الكاتب المعلم بدوره على أنه ليس ضربا لأرقام بعضها في بعض بقدر ما أنه ضرب للتلميذ المسكين مستخدما في ذلك مقلاة من نحاس شجت رأس الفتى الذي لاذ بالفرار إلى حيث عمل مساعدا لموظف صغير بمرتب شهري قدره خمسون قرشا بغير تمام أو كمال .. وحين غالطه مخدومه في حساب القروش الخمسين وحين طالب الفتى بحقه تآمر صاحبنا عليه فأغرى به صاحب الشرطة في ناحية (أبو كبير) بإقليم الشرقية فكان أن ساقوه إلى التجنيد ولم يكن الأمر هينا إذ كان معنى التجنيد في زمن الوالي محمد علي أن توضع القيود والاصفاد في عنق المذكور ثم يودعوه السجن يقاسي صنوف الشدائد والآلام كما يقول المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعي الذي يضيف قائلا ان والد علي مبارك رفع ظلامته إلى محمد علي باشا شخصيا فجاء أمر الافراج بل لاحت فرصة وظيفية كم كانت ثمينة ومجزية كي يشتغل فتانا علي مبارك كاتبا مقابل مرتب 75 قرشا في الشهر (علاوة اذن بمقدار 50 في المئة) هذا بالإضافة إلى جراية بمعنى مقدار يومي من الخبز. بيد أن الجانب الذهبي في هذه الفرصة تجسد في أن الفتى علي اشتغل مساعدا لموظف كبير اسمه (عنبر أفندي) كان من سلالة حبشية بدأ حياته رقيقا ثم اعتقته سيدة ذات مكانة لكنه ارتقى إلى وظيفته الكبيرة بفضل دراسته في مدرسة (قصر العيني) وكانت من أوائل المعاهد النظامية التي أنشأها محمد علي باشا .. هنالك سأل علي مبارك: ـ هذه المدارس التي تتكلمون عنها هل يدخلها واحد من الفلاحين؟ ـ يدخلونها بالواسطة! ـ فماذا عن معدومي الواسطة ؟ ـ ليس أمامهم سوى كد النهار وسهر الليالي لعل وعسى. ـ توكلنا على الله. ـ عشرات الأميال قطعها الغلام علي مبارك ماشيا على قدميه في أراضي دلتا النيل يقطع مسافات بين القرى والبلدات الصغيرة ينشد من يزيده في مضمار العلم ومن يدله على سبل الإلتحاق بمدرسة قصر العيني التي ما لبث أن دخلها إذ كان في الثانية عشرة من العمر وحين علم أهله بذلك بكت الأم اسفا وانتفض الأب غضبا وأعلنت العائلة أنها تنفض يدها من هذا الابن العاق الذي فارق الأهل والجيرة فكان أن فوضت الأمر إلى صاحب الأمر، أما الفتى فقد ظل يرتقي من صف إلى صف ومن فرقة إلى أخرى حتى اختاروه لدراسة الهندسة في فرنسا في بعثة حملت اسم بعثة الأنجال أو ضمت نفرا من أبناء الأسرة الحاكمة. ست سنوات مباركات قضاها علي مبارك في فرنسا تعلم فيها الفرنسية مستهلا بكتب الأطفال إلى أن أجادها ليكمل بها علوم الطبوغرافيا العسكرية والهندسة المدنية. وأكرم ما في سيرته في تلك المرحلة أنه لم ينس أسرته التي لم تره ولم تقابله منذ كان في الثانية عشرة. وحين أوفدوه إلى فرنسا جعلوا له مرتبا - فخما هذه المرة هو 250 قرشا في الشهر فجعل نصفها لأهله في القرية يرسله إليهم في حوالة شهرية ولسنا ندري كيف كان يدبر أموره في الربوع الفرنساوية بمبلغ 125 قرشا كل 30 يوما. عاد علي مبارك (أفندي) وعينوه برتبة يوزباشي (نقيب على سن ورمح) معلما في مدرسة (طرة) الحربية، ذات يوم أسر إلى رئيسه (برنستو) بك أنه يريد السفر إلى قريته ليزور أهله بعد طول انقطاع وغياب اجابه البيك في حنان أبوي: ـ يا علي أفندي: من يسافر يقطعون نصف ماهيته وأنت الآن صاحب بيت وزوجة فاصبر حتى أهيئ لك مأمورية رسمية تسافر فيها لاستكشاف سواحل البلاد .. فإذا حصل ذلك يتم مرغوبك بسهولة. وهكذا دخل علي مبارك بلدته ليلا على حين غفلة من أهلها .. توجه لفوره إلى بيت أبويه وطرق الباب وقد وقف من خلفه مرتديا بزته الرسمية أو كما يعبر هو بأسلوب زمانه في كتابه الموسوعي بعنوان الخطط التوفيقية (كنت بقيافة العسكرية) الفرنساوية لابسا سيفا وكسوة تشريف. وعندما فتحت أمه الباب كان بين الأم العجوز والابن الضابط الشاب 14 عاما من لوعة الغياب.. كان الأب خارج البيت فبادرت السيدة إلى السؤال: ـ خيرا يا جناب الضابط . ـ أنا «علي» ـ «علي» من ؟ ـ ولدك. أنا علي ... مبارك. سقطت الأم مغشيا عليها من هول المفاجأة وحين أفاقها الجيران والأهل والعشيرة ظلت دموع الفرح تختلط بزغاريد الفخر. يقول الدكتور حسين فوزي النجار مؤرخا لسيرة علي مبارك: ساعتها أنتابت الأم الحيرة وأدرك علي مبارك أنها تريد عمل وليمة وقتها كانت فارغة اليدين (من النقود) وبكت .. فأفرغ الضابط في يدها ما كان بجيبه وقتها ـ عشرة بنتو وكان ذلك مالا ليس بالقليل ففرحت وأولمت واحتفلت. وطبعا كان احتفالا بعودة الابن، الفالح الناجح وليس عودة الابن .. الضال على رأى الفيلم الشهير الذي قدمه المخرج الأشهر يوسف شاهين. وكان هذا ملمحا من الدراما الإنسانية في حياة علي باشا بك الذي واصل مسيرته على طريق الإصلاح في بلاده في مجال التعليم رغم ما أبداه من كفاءة وامتياز في مجالات شتى. يكفي أن تعرف أنه أتت عليه أحيان من الدهر كان يشغل فيها، في وقت واحد، مناصب وزير المعارف (التعليم) ووزير الاشغال ووزير الاوقاف ومدير السكك الحديدية وناظر (مشرف) القناطر الخيرية، وبمناسبة فيلم يوسف شاهين الا تلفت هذه الدراما المثيرة بل والمبهرة في حياة علي مبارك اهتمام جماعة التلفاز في هذه الفضائية العربية أو تلك في هذا القطر العربي بالمشرق أو ذاك القطر اليعربي من المغرب كي يقدم مسلسلا دراميا محترما عن علي مبارك وكفاحه وانجازاته وآثاره الفكرية. أليس هذا أفضل بكثير من التمثيليات التي يقدمها أهل التلفزة في أصقاعنا اليعربية السعيدة. ومعظمها يورث التخلف العقلي أو يصيب بالعته الفكري أو بالإحباط النفسي أو بكل هذه الأوصاب مجتمعة في آن واحد؟!