لنضع انفسنا في مكان المراقب الغربي ونرى الازمة الباكستانية الهندية من منظور آخر غير المنظور التقليدي الذي حصرنا انفسنا فيه لسنوات طويلة، ولنكف للحظات عن تقسيم المتصارعين الى معسكرين نطلق على احدهما (مع) وعلى الاخر(ضد) من منطلق اسلامي او قومي او ايديولوجي او غيره. إن الكثير من الاحداث التي تحصل في العالم لا تقوم على اساس ديني، بل الكثير منها يقوم على خلفية اقتصادية او عرقية او عصبية او غيرها، وقد يستغل الدين في لحظة من اللحظات لكسب المزيد من التأييد او لاظهار العمق الاستراتيجي لاحد الاطراف، فصربيا خلال صراعها مع المسلمين في البوسنة وكوسوفو كانت تضرب على الوتر الاورثوذوكسي محاولة سحب روسيا الى جانبها ، ولم تتردد ارمينيا عن فعل ذلك خلال ازمتها مع اذربيجان، وليبيا وجدت ان الحديث عن العمق الافريقي قد يكون اجدى من نفخ الروح في القومية العربية، وتركيا تحاول جاهدة اقناع الاتحاد الاوروبي بأنها لا تقل بياضا وشقرا عن اليونانيين، والباكستان تعودت على رفع اللواء الاسلامي خلال صراعها مع جارتها الهند، مع انها لاتفعل ذلك او تحاول تناسيه اثناء تحالفها مع واشنطن. لننظر بشكل سريع الى سبب الخلاف الهندي الباكستاني ومازلنا هنا ننظر بعين المراقب الغربي ، فالهند تحارب المتشددين الاسلاميين او الانفصاليين الذين يحاربونها على ارضها وفي برلمانها وهم ايضا اعداء للولايات المتحدة وقد يكونون مساندين لتنظيم القاعدة وطالبان، اما الباكستان فانها متهمة بمساندة هؤلاء والوقوف معهم وتسليحهم، فلو كنت مكان ذلك المراقب فمع من ستتعاطف ؟ وقفت الباكستان وقفة رائعة مع وشنطن خلال عمليات العدالة المطلقة وقدمت الكثير من المساعدات منها استخدام البنتاغون للقواعد العسكرية الباكستانية، وسمحت لعناصر FBI و CIA بالعمل داخل اراضيها ومتابعة فلول تنظيم القاعدة وطالبان حتى انها سمحت للطائرات الامريكية بقصف المناطق النائية داخل باكستان لضرب العناصر الهاربة من افغانسان، وقام الرئيس الباكستاني بعزل بعض كبار قادة الجيش الذين تظهر عليهم علامات التدين وشبهة التعاطف مع الطالبان، والقت السلطات في اسلام اباد القبض على حوالي ألفي شخص بتهمة التطرف واغلقت الكثير من المكاتب لهم، ولكن كل ذلك نظير ماذا ؟ قدمت الحكومة الاميركية مساعدات لاسلام اباد خلال السنة المالية 2002 بلغت قيمتها حوالي 600 مليون دولار ووعدت بحوالي 250 مليون دولار للعام القادم، ووعدت بتخفيض الضريبة على صادرات الاقمشة الباكستانية وتسهيل دخولها بالاضافة الى مسح مليار دولار من الديون المستحقة على الباكستان، ولكن ما الذي قدمته لحكومة نيودلهي ؟ الغت الحكومة الاميركية كل العوائق امام التعاون التجاري والعسكري بين الحكومتين ووافقت على بيع الهند عشرين قطعة عسكرية مهمة منها رادارات تكشف مواقع المدفعية المعادية كانت حكومة نيودلهي تسعى منذ فترة طويلة للحصول عليها، وقد اعلن مسئول عسكري اميركي بان التعاون مع الهند سيصل الى مستوى غير مسبوق وختم هذ التعاون بتنفيذ تمرين مشترك بين قوات الدولتين خلال هذا الشهر. لم توفق اسلام اباد عندما اطلقت صواريخها في تهديد مبطن للهند، فهذا قد ألب عليها الرأي العام العالمي وجعلها في موقع الطرف المتهور في حين ظهرت الهند بمظهر العاقل الذي يسيطر على اعصابه ويعرف ما يريد، إن الحرب التي قد تنشب بين البلدين في أي لحظة قد لا تستخدم فيها الصواريخ بعيدة المدى، ولكن تستطيع الهند ضرب باكستان في الصميم بدون التهديد بترسانتها الصاروخية المتفوقة، فتحريكها لاساطيلها من شرق الهند الى غربها وحصار الساحل الباكستاني قد يجعل العاصمة التجارية الباكستانية كراتشي مدينة اشباح ، وتستطيع ايضا تحويل مجاري الانهار التي تنبع منها وتصب في الباكستان لتسبب دمارا بيئيا وزراعيا واقتصاديا لها، كل ذلك بدون اطلاق صاروخ واحد، وستجد نيودلهي من يساندها في حربها الاقتصادية تلك وخصوصا ان باكستان استلمت ثمن صفقة العدالة المطلقة سريعا ورخيصا بعكس الهند التي جعلت الثمن شراكة استراتيجية طويلة المدى. لن تخرج اسلام اباد رابحة من هذه الحرب ابدا، فقد تخذلها واشنطن بشكل غير متوقع، وقد تعرف متأخرة ان ثمن العدالة المطلقة ليس بالضرورة عادلا. ثمن العدالة المطلقة ليس بالضرورة عادلا. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت» Qatar877@hotmail.com