الواقع الحزبي والحركي الفلسطيني جاء تلبية للواقع العربي بكل مسمياته الحزبية دون استثناء بداية بالقومي مروراً باليساري وانتهاء بالإسلامي، لدرجة وصل الأمر إلى اختزال الصراعات الحزبية العربية، والتنافسات السياسية والسلطوية في أغلب الأحيان في الساحة الفلسطينية تحديداً، التي غالباً ما كانت الساحة السياسية والحزبية الفلسطينية، تدفع ضريبة الدم، من خلال تاريخ حافل من هذه الصراعات المدعومة سياسياً وأمنياً والمدفوعة الأجر مالياً أيضاً، والأمثلة حدث ولا حرج فهي كثيرة وكثيرة جداً. بكلام أوضح، رغم إثارة بعض الحساسيات عند البعض، إذا ما أردت سبر العلاقات البينية العربية، بصرف النظر عن المعلومات والوثائق، عليك بالتقصي أو البحث عن العلاقات الحزبية ـ الحزبية فيما بين القوى الفلسطينية، وقياس حالة التقارب أو التنافس والصراع القائم بين هذه القوى، بطبيعة الحال حسب المرحلة التي تعيشها هذه القوى وطبيعة العلاقات التي تحكمها عربياً. أكثر من ذلك أن هذه الصراعات البينية، كانت مكثفة لجملة الصراعات العربية بكل أهدافها القريبة الآنية والبعيدة المستندة إلى تطلعات إقليمية وما إلى ذلك من هذه الأهداف غير المعلنة، الأمر الذي عكس نفسه سلباً وبشكل ميكانيكي، على العلاقات الفلسطينية الداخلية أوصل منظمة التحرير الفلسطينية مبكراً إلى حالة من الشلل والتمزق من جهة، وبينها ـ المنظمة ـ وبين الكثير من القوى السياسية والحزبية والرسمية إلى حالة من الاحتراب السياسي والصراع التناحري في بعض الأحيان. بالإضافة إلى أن هذه الأمور مجتمعة، خلقت حالة مرضية مستعصية، سميت بأزمة العمل الوطني الفلسطيني، بحيث لم تقف الأمور عند حدود المناكفات الداخلية فلسطينياً، بقدر ما أصبحت شكلاً مجوفاً تمارس من خلاله القوى المتصارعة شتى أنواع الممارسات السياسية، وأصبحت الأزمة ذاتها نهجاً عند مجموع هذه القوى، حتى التي نادت مبكراً بالوحدة الوطنية الفلسطينية، كانت ترى من هذه الصيحة مصلحة ذاتية وحسب، بهدف التوصل إلى مكاسب آنية لا تتعدى في أغلب الأحيان كسب حفنة من الدولارات من الصندوق الوطني الفلسطيني، ومقعد إضافي في هذه المؤسسة الفلسطينية أو تلك. لكن السؤال الملح، هل من وقت بعد الآن للبحث عن المكتسبات والحسابات الحزبية الضيقة، والولاءات السياسية التي تصب عند هذا الطرف أو ذاك؟ وهل من قضية أهم من قضية الوحدة الوطنية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال؟ قبل الإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها، لا بد من الاعتراف بأن العوامل الثلاثة العربي والإقليمي والدولي، لا تزال تحظى بكثير من النفوذ والامتدادات الحزبية والسياسية داخل الساحة الفلسطينية، باعتبار أن القضية الفلسطينية قضية مركبة على كل الصعد، مما يجعلها هدفاً بالاتجاهين السلبي والإيجابي، الأمر الذي يؤدي إلى استحالة فلسطنة الصراع، الذي يرتكز إلى فلسطنة المؤسسة بما تعنيه سياسياً وتنظيمياً. بكلام أوضح، أن الوحدة الوطنية الفلسطينية ليست خياراً فلسطينياً وحسب، كما يحلو للبعض الفلسطيني، بل هي قضية توافق رؤى وخيارات عربية وإسلامية، بالإضافة للعامل الوطني الفلسطيني، الذي يشكل إحدى الأثافي الثلاث في هذه الثلاثية الهرمية، دون أن نسقط من حساباتنا العامل الدولي بطبيعة الحال والذي كان ولا يزال يمتلك تأثيراً مباشراً في هذا الجانب، إن كان في مرحلة الحرب الباردة أو في هذه المرحلة التي تتميز بالنظام الأحادي القطب. ولعل التجارب الماضية في هذا المضمار، تسوق نفسها راهناً، بصرف النظر عن الآليات والطرق المطروحة، وإن بدت للناظر أو المتتبع أقل سخونة وحدة مما كان عليه الأمر، في سبعينيات القرن الماضي وثمانيناته، التي شهدت حالة من الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني، بقيادة القوى العدمية المغامرة التي قادت اقتتالها تحت شعار فك وإعادة تركيب حركة فتح، وفك وإعادة منظمة التحرير الفلسطينية، بهدف تنصيب قيادة جديدة عليها قسراً، والتي بقيت آثارها المدمرة حتى هذه اللحظة، إن كان في تحالف الفصائل العشرة أو في تحالف فصائل منظمة التحرير والسلطة، وزاد على ذلك بروز الاتجاه الإسلامي المتمثل بحركتي حماس والجهاد الإسلامي، وبعض التفريخات الحزبية الأخرى كحزب «فدا» الذي خرج من رحم الجبهة الديمقراطية ليحتل مكاناً متقدماً في السلطة الفلسطينية. ومن نافلة القول أن هذه التعددية التي تعيشها ساحة العمل الوطني الفلسطيني، لم تكن يوماً تعبيراً صحياً كما يحلو للبعض وصفه، بل نتيجة لصراع إرادات القوى فلسطينياً وعربياً وإقليمياً ودولياً. هذا الأمر تبدى واضحاً في هذه المرحلة بالذات بعد طرح قضية الإصلاح، وما قدم من أوراق إصلاح فلسطينية، حيث بدأت تنهال من كل حدب وصوب. فعلى سبيل المثال طرحت ورقة عمل رباعية، اشترك فيها الدكتور حيدر عبد الشافي، والجبهة الديمقراطية، والجبهة الشعبية، وحزب الشعب، حملت عنوان «أسس وإطار العمل الوطني الفلسطيني»، أكدت على مواصلة الانتفاضة والمقاومة والنضال السياسي حتى نيل الحقوق الوطنية الفلسطينية. بالإضافة إلى التأكيد على شرعية المقاومة للاحتلال، وترتيب البيت الفلسطيني وبناء مؤسسات الشعب والمجتمع على أسس ديمقراطية تكفل العدل والمساواة وممارسة التعددية السياسية واحترام سيادة القانون...الخ. كما دعت إلى تشكيل قيادة وحدة وطنية مؤقتة، تجسد الوحدة الوطنية الفلسطينية وتحقق جماعية القيادة ومشاركة جميع القوى السياسية والمجتمعية في القرار الوطني. بينما قدم المجلس الثوري لحركة فتح مشروعاً شاملاً للإصلاح، دعا إلى التمسك بعملية السلام وصولاً لقيام دولة مستقلة وإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين على أساس القرار 194 والعمل على تحقيق الوحدة الوطنية. ودعا إلى إعادة تشكيل الوفد المفاوض، مع تأكيد أن لجان المفاوضات تخضع لقرارات اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية، واللجنة المركزية لحركة فتح ومجلس الوزراء في السلطة، ولا تمتلك وحدها صلاحية اتخاذ القرار..بالإضافة إلى دعوة المشروع إلى الفصل بين السلطات والإعداد لانتخابات شاملة، وتوحيد الأجهزة الأمنية لتحديد صلاحياتها بموجب القوانين، وتفعيل اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير ودوائر المنظمة خاصة الدائرة السياسية ودائرة اللاجئين، لكنه رفض من قبل الرئيس ياسر عرفات جملة وتفصيلاً. إضافة إلى توصيات المجلس التشريعي للإصلاح الإداري للسلطة، الذي نادى بالفصل بين السلطات وتقليص الحكومة وتوحيد الأجهزة الأمنية وضمان استقلال القضاء وإجراء الانتخابات بأسرع وقت. ناهيك عن أن كل حزب أو حركة لها مشروعها الخاص بها، بما في ذلك حركة حماس من جهة والجهاد الإسلامي من جهة أخرى، بحيث وصفت هذه الحالة المأساوية من قبل البعض بأنها «بورصة للتغيير وإعادة توزيع المناصب». دون أن نغفل بطبيعة الحال مجموعة العواصم العربية والأوروبية التي دخلت على خط «التغيير» الفلسطيني، من خلال الدعوى إلى «مؤتمر الحوار الفلسطيني» المقترح، أو الذي تعد له بعض الأطراف العربية. عود على بدء، فللإجابة على ما سبق من تساؤلات، يتطلب الأمر التالي: أولاً: ضرورة الاتفاق الفلسطيني ـ الفلسطيني على إيجاد مقاربة بين المشاريع المطروحة لوضع برنامج سياسي فلسطيني، يلبي حاجة القوى السياسية الفلسطينية، من خلال ما يسميه البعض بالبرنامج الوطني، والذي يقوم على أساس من بناء الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس والتمسك بحق عودة اللاجئين. انطلاقاً من قيم ومفاهيم الجبهة الوطنية الفلسطينية العريضة، التي طالبت فيها القوى الفلسطينية على مختلف مشاربها منذ وقت مبكر، في إطار منظمة التحرير بعيداً عن الاستئثار والسيطرة لطرف دون آخر وبما يخدم التمثيل النسبي، على أساس الحوار الوطني الشامل كمدخل لذلك الأمر. ثانياً: ضرورة استكمال الاتفاق الفلسطيني ـ الفلسطيني في إطار مؤتمر الحوار المطروح عربياً، بهدف تبني الشكل التنظيمي ـ السياسي الفلسطيني في الجامعة العربية، لدرء الأخطار والتدخلات والأهداف من خلال الولاءات المرسمة مسبقاً، بهدف تطويق التدخلات القائمة على أساس من الخلافات العربية ـ العربية. ثالثاً: نقل هذا الشكل المعتمد فلسطينياً وعربياً إلى مؤسسات مؤتمر القمة الإسلامية لذات الأهداف السابقة، لعدم إثارة الحساسيات السياسية على الساحة الفلسطينية خاصة وأنها الساحة المؤهلة للتعاطي مع مثل هذه الأهداف المتمثلة فيما يسمى بالبحث عن الأدوار الإقليمية، التي تعتبر القضية الفلسطينية مدخلاً. وأن تكون المنظمة الموحدة في إطار الجبهة الوطنية العريضة هي وحدها القادرة على تمثيل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، حتى بعد قيام الدولة الفلسطينية لاستكمال تطبيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين. رابعاً: العمل من كل الأطراف على تثبيت هذا الإطار التنظيمي القائم على التوافق الفلسطيني ـ العربي والإسلامي، باعتباره إطاراً ممثلاً للشعب الفلسطيني وأهدافه الوطنية، وبالتحديد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الروسي. ودون ذلك سنبقى ندور في حلقة مفرغة قد تغيب وحدة الشعب الفلسطيني، خاصة وأننا بدأنا نشهد غياباً لمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الوطني الجامع. هذه القضايا التوافقية المتمثلة بالجبهة الوطنية العريضة، وحدها الكفيلة بمواجهة بدائل شارون المطروحة جملة وتفصيلاً، كما أنها ستحد من الشروط وتخفيض المطالب السياسية فلسطينياً وعربياً وإسلامياً. ـ كاتب فلسطيني