ماذا يراد بالفلسطينيين؟ ادارة بوش تتحرك بايقاع متسارع من خلال مبعوثين الى المنطقة يتحدثون عن «مسار ثلاثي» سيقود الى «مؤتمر دولي». وعلى خط مواز يجري الحديث عن «مؤتمر اقليمي» يجمع الى جانب الولايات المتحدة واسرائيل دولتين أوروبيتين بالاسم ـ ايطاليا والسويد ـ مع دول عربية «معتدلة» لمناقشة «التعاون الاقتصادي» في الشرق الأوسط. وعلى خلفية توغلات لا تنتهي للقوات الاسرائيلية في المدن الفلسطينية دخلت شهرها الثالث مع ما يرافقها من اغتيالات واختطافات واعتقالات بالجملة وحصار متواصل تظل التصريحات الاميركية محصورة في «وقف العنف الفلسطيني». والمشهد العام في اجماله مشبع بالشبهات وعدم المصداقية. فلا أحد في واشنطن يطلب من اسرائيل سحب قواتها. إنه مشهد يبدو كفيلم يجري اخراجه وتصوير لقطاته بعيداً عن أنظار من يهمهم الأمر بالدرجة الأولى: جماهير الشعب الفلسطيني. لكن فريق الاخراج ليس بوسعه اخفاء خاتمة الفيلم. فقد بات معروفاً لدى كل فلسطيني وكل عربي ان المشهد الختامي هو الإجهاز نهائياً على كل عنصر من عناصر المقاومة الفلسطينية ومن ثم تطبيق حل سياسي للصراع الفلسطيني الاسرائيلي بشروط أرييل شارون. «المسار الثلاثي» هو اسم الفيلم. والعناصر التي يتكون منها هذا المسار، كما أخبرنا مساعد وزير الخارجية وليام بيرنز المبعوث الى المنطقة خصيصاً لهذا الأمر هي كما يلي: ـ «اصلاح» مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية حتى تقوم «الدولة الفلسطينية المرتقبة» على أسس متينة وقويمة. ـ اعادة بناء أجهزة الأمن الفلسطينية لتكون «أكثر كفاءة». ـ ترتيب عملية تفاوضية على أساس «مبدأ دولتين، فلسطينية واسرائيلية، تتعايشان في سلام جنباً الى جنب». هذه العبارات المنمقة البراقة هي محاولة لالباس باطل ثوب الحق. فالملامح الأولية لشكل الدولة الفلسطينية التي يبشر بها بيرنز ماثلة وقائمة. فقد قام أرييل شارون بتقسيم الضفة الغربية الى ثمانية «كانتونات» وقطاع غزة الى ثلاثة «كانتونات» تفصل بين كل منها حاميات عسكرية اسرائيلية ونقاط تفتيش بينما تتخللها مستوطنات يهودية، كل منها معززة بوجود عسكري. إن جورج بوش يعلم علم اليقين ان الشعب الفلسطيني، بعد مضي 54 عاماً على «النكبة» و35 عاماً من الاحتلال لن يقبل بدولة لا تحمل من مقومات الدولة سوى الاسم.. وهي في حقيقة الأمر ليست سوى ولاية تابعة للسيادة الاسرائيلية. ولأن بوش ـ ومعه شارون ـ يعلمان ذلك فإننا نستطيع الآن ان نفهم مغزى مشروع «المسار الثلاثي».. فهو مشروع لفرض أمر واقع بالقوة المدعومة بمجموعة من الخدع السياسية والأمنية. ومثل أي فيلم فإن الأدوار متفاوتة في الأهمية والمستويات: هناك أدوار «بطولة» وأدوار «الممثل الثانوي» وأدوار «الكومبارس». بالطبع يستأثر بوش وشارون بدور «البطولة» العليا.. يساعدهم في دور «البطولة» الدنيا كولن باول ووليام بيرنز وجورج تينيت (مدير وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية)، وأدوار «الممثل الثانوي» أسندت الى أطراف عربية في مقدمتها القيادة الفلسطينية. أما الكومبارس فإنهم خليط من دبلوماسيين وخبراء أمنيين من هنا وهناك. إنه فيلم من المفروض ان يكون مثيراً.. ولكن فريق الاخراج الأميركي يريد لمشاهده ان تتميز بالهدوء قدر المستطاع. وهذا يفسر لنا ذلك الحرص على الاقتصاد في التصريحات الإعلامية وانتقاء صياغاتها اللفظية بعناية حتى يبدو الأمر في اجماله وكأن الولايات المتحدة قد غيّرت ثوابتها لصالح الشعب الفلسطيني. لذا فإننا موعودون فيما يبدو خلال الأيام المقبلة بسماع ألسنة عربية تردد نغمة «التفاؤل». إن السكاكين تشحذ الآن لذبح الانتفاضة الفلسطينية بأعصاب باردة.. فهل يستطيعون اخراج خاتمة الفيلم؟!