ان تكون لديك الشجاعة لتستمع لرأي الاخرين فيك فهذا يعني انك شخص جدير بالثقة وانك راغب في تنمية ذاتك، وفي تحسين ادائك، ويعني ايضا انك بريء من الاصابة، بعقدة النقص التي تجعل المبتلين بها في حالة اعراض عن صوت الناصح، وفي موقف الرفض للاصغاء الى اي ملاحظة او توجيه او نقد. لاشك ان ثمة ارتباطا قويا بين كفاءة الانسان المهنية وبين تمتعه بالثقة بالنفس واستعداده لتدارك قصوره واخطائه. على الجانب التربوي ان يفتح المعلم قلبه ليبدي طلبته ملاحظاتهم حول المقرر المدرسي، او حتى حول سلوكه داخل الفصل فهذا يدل على سعة افق المعلم وعلى تمتعه بخصوبة ذهنية وبطاقة روحية جديرة بالتقدير والثناء. ان طبيعة الشراكة التي تجمع بين قطبي العملية التربوية تجعل من فتح نافذة لابداء وجهة نظر الطلاب من خلال استبيان استطلاعي لا يحمل اسم الطالب او الطالبة يعتبر امرا مستساغا ومقبولا، بل أمرا وجيها ومبررا، حيث جمعت المعلمين والمعلمات رحلة مشتركة استغرقت عاما دراسيا كاملا بذل فيها الطرفان من الجهد والطاقة الشيء الكثير. ليست الرحلة التي يشارك فيها سنويا قطبا العملية التعليمية عادية اذن، ولا يتوقف تأثيرها بتاتا على تلك اللحظة التي يستلم فيها الطالب شهادة نجاحه وانتقاله الى سنة دراسية تالية. هذه الرحلة الغنية والخصبة والتي لها خصوصيتها وتميزها تستدعي ان يشحذ المعلم لإنجاح دوره فيها كافة قواه الذهنية والوجدانية لتظهر له أولا صورة علاقته بطلابه على طبيعتها وشكلها الواقعي، ثم ليعمل من جهة ثانية على تجاوز القصور او الضعف الذي قد يشوب علاقته بطلابه، ويتسبب في حدوث شرخ او حاجز يمنع من وصول توجيهات المعلم وآرائه الى عقل الطالب. أفضل اسلوب لهذه التجربة التقييمية غير التقليدية مع الطلاب فاجأتني به مدرسة مادة كيمياء كانت احدى المشاركات في برنامج تدريبي حول مهارات التعامل مع الطالبات يوم السبت الماضي في مدينة دبي. لقد طلبت المعلمة ان تتحدث عن تجربة غنية لها في هذا الشأن، وقد وجدت لصوتها حرارة، ولكلامها بريقاً جعلني اعطيها من الوقت ما يسمح لها بالافصاح عن هذه التجربة التي اسعدتها وحققت لها حسب ما تقول من النتائج الايجابية ما فاقت توقعاتها وتقديراتها المبدئية. لقد قامت هذه المعلمة بتوزيع استبيان استطلاعي حوى اسئلة مفتوحة للوقوف على رأي الطالبات في طريقة شرحها للمنهج الدراسي وهل استطاعت ان تحببهن في مادة الكيمياء التي تتولى تدريسها ام اخفقت في ذلك، ولتتعرف على آرائهن حول طريقة معالجتها للمواقف الصفية، وادارتها للحصة الدراسية. لقد استطاعت هذه المعلمة بالفعل لا بالقول ان توصل لجميع طالباتها رسالة فحواها ان آراءهن مهمة لديها، وانها تثمن افكارهن وملاحظاتهن وتولي اقتراحاتهن مكانة خاصة. ولقد ادركت هذه المربية الواعية ان اسلوب التعبير على الورق هو اسلوب جدير بالممارسة حيث لا تخدش صورة المعلم، ولا تمس هيبته بسوء، بل تضمن المساحة المكتوبة قدراً من الراحة النفسية للطرفين، حيث لا اسماء مكتوبة على الاستبيان، ولا درجات محسوبة او منقوصة تخشاها الطالبات. بل هو حسن الظن ومنح الثقة واعطاء الاهتمام لجيل يبحث عن ذاته، ويفتش عن مكانته ويتحسس خطواته القادمة من خلال نظرة مجتمعه له. هذه النظرة التي لها ما بعدها في وجدان الطالب وفي تصوره. ومنذ ايام قلائل استضاف البرنامج الصحي الذي تنتجه قناة الامارات استاذاً جامعياً متخصصاً في علم النفس قال رأيه بلهجة الخبير المتمرس بهموم الشباب بأن أكثر الاسباب التي تدفع بالشباب لسلوك الطرق المنحرفة والتي تؤدي بهم الى المهالك ان أولئك الشباب لا يجدون من يصغي اليهم ليعبروا عن افكارهم وهمومهم. ويؤكد هذا الاستاذ المتخصص ان كثيرا من حالات الادمان سببها اختفاء الأذن التي تسمع، والقلب الذي يصغي لهموم وتساؤلات تلك الفئة من المجتمع. والسؤال هل هناك علاقة بين سلوك هذه المعلمة الايجابي وحرصها على تحسين المناخ المحيط بالطالبات وبين التقليل من التدهور في سلوكيات الشباب؟ أرى ان هناك علاقة قوية بين الامرين، فلو حدث وتداعى المربون والمربيات لفتح مجال ليسمعوا صوت الطلاب والطالبات فلربما ساهم ذلك في تقليل السلوكيات السلبية، وما المانع في استجابة المربين لهذه الفكرة وهم قد أسمعوا أصواتهم كثيراً وقد آن لهم ان يسمعوا ولو القليل.