حينما يهبط الليل على الكون بسكونه فلا يقطع صمته سوى هدير محرك سيارة مسرعة او فرامل مفاجئة لم تتوقع ظهور قط يعبر الطريق في هذا الوقت من الليل، لا تجد مؤنسا لك في وحدتك هذه سوى ورقة وقلم تمسك بالقلم وتبسط الورقة حيث الذكريات تترى وتعود بك الذاكرة الى كل سنوات عمرك التي هزمها الزمن الذي لا يهزم حتى انه مع هذا السكون تستطيع احيانا ان تتذكر كل دقائق وساعات وايام وشهور وسنوات عمرك الذي مضى..! ويبدو العمر امامك وكأنه لا شيء، رغم كل ما فعلته فأنت لم تحقق شيئاً مهما تشعر بذلك عندما تتأكد من ان نهايتك ثابتة لن تتغير.. النهاية الطبيعية الموت! فما فائدة الذكرى وماذا ينفعك ان تتذكر ولماذا تتذكر وماذا تتذكر؟ هل تتذكر صديق طفولتك وصباك وصديق عمرك الذي احتجت اليه وقت الضيق الشديد وطلبت منه ان يدركك فقال لك اعذرني انا مشغول بترتيب حقائب المدام لانها ستسافر غدا... سوف اتصل بك لاحقا.. ولا يتصل! هل تتذكر تلك التي قالت لك يوما احبك ولا ارى الحياة بدونك فلا تتركني، فلما تركت الدنيا وحاربت الجميع من اجلها وانقضت مصالحها معك، او يئست من تحقيق مصالح اخرى ادارت ظهرها، وفي اليوم التالي كانت مع آخر تقول له نفس الكلام، وتحلق به بنفس عبارات الحب الى سماء الوهم حتى تحقق مصلحة جديدة ولا يهم ان يكون هذا الآخر طويلاً او قصيراً رفيعاً ام سميناً عجوزاً ام مراهقاً، الفيصل في الامر هو المصلحة. هل تتذكر انك عشت حياتك تعطي وتعطي، تؤثر الآخرين على نفسك، تفرح لفرحهم وتتألم لآلامهم فلما ابعدتك الايام عنهم لم يتذكرك احدهم ولو بهاتف مجاني!! هل تتذكر الآن ان الحياة لم تعد هي الحياة التي تمنيتها وان الحب ليس هو الحب الذي تمنيته وان معادلة الكون اختلفت تماما ولم يعد مهماً ان يتساوى طرفاها، ولكن اصبح المهم ان يكون هناك طرف متفوق على طرف بأي طريقة كانت بالغش بالخداع بالكذب بالخيانة وانك كنت دائماً الطرف الخاسر لانك لا تعرف الغش او الكذب او الخداع او الخيانة! هل تتذكر ذلك الذي لم يترك نقيصة في الدنيا الا والصقها بك دون ان تكون فيك، فلما قضى نحبه بكيت عليه اشد البكاء وكنت اكثر الملهوفين عليه تبكيه بحرارة وكأنه كان توأمك؟ ماذا يمكن ان تتذكر ايها الانسان البائس لكي تتذكر؟ هل تتذكر ان الحياة مضت دون ان تشعر ان هناك قلباً يهفو اليك والى وجودك بجواره او ان حضناً يضمك بحنان دون غرض او مأرب؟ هل تتذكر تلك التي قالت لك يوماً انك مثل ابني، لان لابنها مصلحة عندك، فلما غادرت المكان ولم تعد تظهر في الصورة كما اعتادت ان تراك، لم تعد ابنها او اخاها او اي شيء، بل لم تودعك شاكرة لخدماتك التي قدمتها وقت ان كنت ابنها؟! عل تتذكر اولئك الكثر الذين ساندتهم في حياتك فلما طلبت من احدهم ان يساندك في موقف لن يغرم فيه كثيراً او قليلاً اعتذر لانه لن يستفيد من وراء مساندتك شيئاً بحجة ان الحياة اصبحت صعبة والوقت من ذهب!! عند هذه اللحظات.. وعندما يشيخ الليل ويقترب النهار بطفولته المضيئة ويرتفع اذان الفجر عندها فقط تحاول ان تغمض عينيك لكنك لا تستطيع فهناك دمعة تحجرت في مقلتيك استعصت على جفنيك المسهدين فلا تستطيع اغلاقها لتنام.. لحظتها ستعرف مهما كان عمرك ان هذه هي الحياة، وانها اسوأ شيء مارسته واسوأ منها طبعك الذي لم تستطع التخلص منه حتى بعد ان هزمتك الحياة.. لحظتها ستكتشف ان الحياة بكل صخبها وضجيجها واطماعها وطموحاتها ستنتهي في لحظة لا تعلم ايها البائس الوحيد ابداً متى ستأتي بالضبط ولكنها حتما ستأتي. لحظتها ستتذكر الشاعر الذي قال.. تعب كلها الحياة فما أعجب الا من راغب في ازدياد سوف تتساءل وانت في حالتك هذه ما كان ممكناً ان يقوله هذا الشاعر لو عاش حياتنا التي نعيشها حياة بلا ضمير ولا وفاء ولا اخلاق.. كل شيء فيها قد مات ولم يبق سوى اشباح تتحرك بلا روح دافئة او قلوب مطمئنة صافية لا غش فيها ولا خداع ولا كذب. ومن نعم الله على ذلك الشاعر انه عاش ومات قبل ان يدرك زماننا لانه لو ادركه لقال كلاماً لا يمكن لمثلي ان يتخيله، لان ما يحدث وما حدث وما سيحدث يفوق تصور وخيال واحتمال اي انسان لا يزال يبحث عن المثالية في هذه الدنيا.. لانها اصبحت دنيا جديدة تماماً لم يأت مثلها في كل الكتب ولا الكتابات!