حاولت كثيرا عبر مكالمة هاتفية طالت قرابة الساعة ان اجعله ينكر اليأس في نبرة صوته، لكنه واصل حديثه بالنبرة ذاتها وكأنه يصر على حزن ابدي، صوته لا يقول انه دون تجاوز زهو الشباب، لكنه لم يفصح الا عن اسم يبدو انه مستعار، قال ماذا تريد باسمي فقط انا اتصل بك لربما اثيرك كي تكتب عن هذا الذي يحدث الان، واريد منك ان توجه سؤالا لكل الذين انتفضوا مع الانتفاضة ويوم ضرب جنين واختفوا الان: اين انتم؟ تحاورنا كثيرا انا ومحمد وهو الاسم الذي اراد ان اسميه به اذا ما كتبت مقالة المحادثة واشار الى ان الاسم محمد رمز، ليس لانه يدل على قتل الطفولة الذي تمارسه الصهيونية، بل لان محمد الدرة يشبه الشعب الفلسطيني الذي استجار ويستجير بالعرب لكن حال ازيز الرصاص العابر الى جسده بينه وبينهم. صديقنا الحزين واليائس محمد يريد مني ان اتساءل بدلا عنه، هل ما يحدث الان في فلسطين يختلف عن ايام ضرب وحصار جنين، وقبل جنين حتى تمر صور ومشاهد الجرائم الاسرائيلية مرور الكرام على كافة الناس؟ ما الفرق بين الاحداث التي جعلت العرب في انحاء الوطن يخرجون الى الشوارع احتجاجا، وبين احداث اليوم في الاراضي المحتلة التي يبدو ان مباريات كأس العالم قد شغلتهم عنها؟ ويسأل محمد باليأس الذي بدأ به حديثه وواصل فيه: هل صرنا نمل المطالبة بالحقوق مثلما نمل المسلسلات العربية الباردة في الفضائيات؟ هل تسرب هذا الملل وتوحد فينا بحيث صار يجوز ان نمل من مقاومة الظلم، ونمل من المطالبة بالحقوق، ونمل من الدفاع عنه، ونمل المحافظة عليها، ونمل الملل نفسه ليتحول كل منا الى انسان معلب، مثلج لا يتغير ولا يتبدل، لا يسخن ولا يبرد؟ ويواجه محمد سؤالي المضاد: لكن هناك يعملون، الفلسطينيون والعرب ومن خلفهم اميركا، ومن خلف الجميع اسرائيل، الكل يعمل حسب التصريحات الرسمية على بلورة خطوة جريئة نحو تحقيق السلام، ويقولون ان بوش صار راضيا عن اداء ياسر عرفات، وبالتالي فهو راض عن العرب؟ اليس هذا حال افضل من حال ايام وساعات ولحظات جنين الاليمة؟ يواجه محمد السؤال بسؤال: وهل تعتقد ان الذي تسمعه وتقرأه هو بداية الفجر الوردي الذي ننتظر، ها هو بوش صاحبك وسيد العالم كله يشير من جديد الى عالم اشرار وعالم خير، وبالطبع وهو يلقن طلبته العسكريين قد غمز لهم وقال من هم الاشرار في نظره ومن هم اهل الخير®. فهل تعتقد ان بوش هذا يعني اننا ممن يحتويهم خيره؟ افهم جيدا، محمد يوجه التحذير لي، في الطريق اليك هناك المزيد من المجازر التي تحضرها اسرائيل، ولبنان على القائمة من جديد، وغزة قبل جنوب لبنان وسترى وتقول انني قلت ذلك ونبهت منه. المسألة يا صاحبي ان العرب يملون بسرعة®. تصور حتى خطط التنمية المطولة وبعيدة المدى، نعم يملون هذا النوع من البناء المؤسس على الرؤى المستقبلية، لهذا تجد العرب كل موسم ولهم موال. ايام جنين كانت موالا اعجب العرب، واليوم هناك موال جديد في الاراضي المحتلة يعجبهم اكثر، وهم ايضا يتحضرون للاستمتاع بموال جديد للصيف الجديد. غلبني يأس محمد.