التربية تلغي الانسان من تكوين الطلاب والطالبات في أحرج فتراتهم العمرية التي تعتمد في بنائها على دفقة الشعور والاحساس بالآخر. ان يتخرج الطالب بعيدا عن المجتمع الذي يعيش فيه وبعيدا كذلك عن معرفة نفسه وشاردا عن فلسفته من الحياة وجاهلا بمنطق الحديث واساسيات بناء الفكر السليم، كل هذا من أجل ارضاء نزعة التشعيب لامر غريب حقا. من اساسيات الغاء بعض المواد في المناهج أن يتم طرح بديل افضل وذلك لتقوية الرافد العلمي لدى الطلبة ولا يقول أحد ان البديل هو في الاكثار من ذكر «التكنولوجيا» لانها تقسي القلوب الخاوية من بدهيات الحياة الانسانية، لأن التعامل مع الاجهزة الحديثة بحاجة ماسة الى روافد انسانية لكي لا تخطيء الطريق. ويستحضرني في هذا المقام مقولة أحد اساتذة علم الاجتماع ممن يعشقون هذا العلم عشق الروائح الفواحة في الزهور الندية في تعليق له على قلة اتصالات الناس ببعضهم البعض واكتفائهم بالاتصال الالكتروني قائلا: لقد قرب الحاسب الآلي بما فيه من وسائل الاتصال البعيد القريب وأبعد عن هذا الميدان القريب الحبيب فصارت العلاقات بين الناس مقلوبة فهل هذا هو التطور المنشود في زمن عولمة التكنولوجيا الخالية من الحس والنبض الدافيء؟! إننا نواجه تحديات داخل نفوسنا أكثر مما هو مرئي من خارجها وهو مالا يعالج الا بترطيب منابع العطاء في قلوب الدارسين ولا يكون ذلك بالغاء المواد الانسانية من قلب مناهج التربية والتعليم وخاصة اننا نحسب على مجتمعات محافظة لا تقبل ان تتزعزع القيم والاخلاقيات لديها بسبب هجمة التقنية المعاصرة علينا وعلى غيرنا. فالتربية والتعليم منذ عهدها الجديد جعلتنا نعيش في صدمات نفسية واجتماعية اسرع مما تتحمل قلوبنا، ورغم ان الوعي لا ينقصنا وما يدور على الساحة العالمية العلمية لسنا بعيدين عن التأثير بها، مع ان كل هذا لا نعده مبررا كافيا لالغاء هذا الانسان من مواد المناهج في السنوات المقبلة. فالأمر أخطر مما نتصور او نصفه اليوم، فغدا سنواجه حياة اصعب لأبنائنا رغم وفرة كل امكانات الرفاهية التي تنتج انواعا من المشكلات لن يعالجها ميدانيا الا مثل هذه المواد التي يراد اليوم مسحها من خارطة التربية والتعليم. فالعقول الرشيدة في التربية عليها التريث في اتخاذ هذه الخطورة التي تجازف من خلالها بمادة «الانسان» في الحياة التربوية والتعليمية لأبنائنا الطلاب والطالبات، فاذا لم يكن هذا الطرح مقنعا فعلى أهل التربية القائمين على شأن التشعيب أيصال القناعات لكل المتأثرين بهذا القرار مع ذكر البديل المقترح لتعديل الاوضاع النفسية والاجتماعية للالوف من الطلاب والطالبات على مستوى الدولة ممن يعانون ضغوط الحياة في اسرهم ومجتمعهم الخاص والعام قبل البت في القرار او بتر الانسان.