هل كان انتماؤنا لبلد خاض تجربة بناء دولة حديثة في زمن قياسي واجتازها بنجاح منقطع النظير هو سر انجذابنا لتجارب الشعوب الاخرى الشبيهة وسر انجذاب تلك الشعوب لنا؟ هذا هو السؤال الذي طرحته على نفسي وأنا أرى مفعول السحر الذي يحدثه اسم «الامارات» لدى الشعب الاسترالي المعجب إلى حد الانبهار بما حققته الامارات من نهضة وتقدم خلال فترة زمنية وجيزة. هذا ما عبّرت عنه كل من «ليّا ماكفرسون» مديرة التسويق الدولي في متنزه «دريم وورلد» و «ليديا لايتمر» مديرة التسويق السياحي في مركز «هاربر تاون» التجاري في جولدكوست باستراليا عندما التقيناهما وكانتا عائدتين منذ أيام من الامارات حيث شاركتا في معرض السفر العربي الذي أقيم في دبي. تتحدث «ليّا» التي زارت دبي خمس مرات حتى الآن عن مدينتنا بإعجاب وحب، وتذكر لنا الأماكن التي زارتها والاجواء التي عاشتها فيها، مركزة على برج العرب الذي أصبح معلماً من معالم المدينة والدولة، وتعتزم في المرة المقبلة اصطحاب والديها معها حيث تخطط لقضاء عطلة الكريسماس في دبي. أما «ليديا» فتعتزم تكرار الزيارة ولكن لحضور مهرجان التسوق الذي سمعت الكثير عنه بحكم أنها تعمل في مركز تسوق تجاري. حداثة تاريخ استراليا كدولة يعكسها متحف «ملبورن» الذي يركز على الحياة الفطرية برية وبحرية وتشغل جانبا كبيراً منه. أما الجانب المتبقي فهو مخصص لسكان استراليا الاصليين الذين يطلق عليهم «الابورجونيز» وهي قبائل بدائية كانت تعيش على صيد الحيوان وجمع النباتات. وتنقسم قبائلهم الطوطمية إلى جماعات وزمر صغيرة تتألف كل منها من خمسين شخصا تقريباً. تنتقل من مكان لآخر بحثا عن الصيد، حيث يقوم الرجال بالقنص بينما تجمع النساء نبات اليام البري وغيره من الخضروات الطبيعية. وعادة ما ترتبط كل عشيرة بحيوان يصبح «طوطماً» لها حيث يعتبر لحمه محرماً على أفرادها الذين يعتقدون أنهم انحدروا منه، ويحملون لذلك اسمه «كعشيرة الكانغارو مثلا» ولذلك فإنه يجب عليهم القيام نحوه بشعائر وطقوس معينة في مواسم خاصة. وبعض العشائر تتخذ طواطمها من النباتات أو من الكائنات المادية كالشمس والقمر والارض أو الظواهر الطبيعية. مع «دالاس» و «مرجريت» وهما من سكان البلاد الاصليين كانت لنا جولة على الأقدام استغرقت ساعتين ونصف الساعة تقريباً في مدينة سيدني، تولى كل واحد منهما شرح جانب من جوانب حياتهم وتاريخهم، كان تركيز «دالاس» على النباتات والاشجار واستخداماتها حيث بدا خبيراً فيها. وقد انهى شرحه بأكواب شاي خاص قدمه لنا من البراد الذي أخرجه من الحقيبة التي كان يحملها على ظهره طوال الجولة. شاي «الابورجونيز» شبيه بالشاي الصيني وإن كانت أوراقه القريبة من أوراق شجر الاوكاليبتوس تحمل في تكوينها مادة محلية تجعله أكثر قبولا من الشاي الصيني. كان «دالاس» يسكب لنا الشاي ويقدمه مصحوباً بقطع الكعك ذات النكهات المختلفة وهو ينظر بطرف عينه إلى مرافقنا «دان» قائلا: إن الاستراليين الجدد من المهاجرين لا يعرفون سر هذا الشاي المصفي للدم والمنعم للبشرة، المنتشرة اشجاره حولهم دون ان يفطنوا لها، وهذا من حسن حظنا نحن السكان الاصليين. هذا التآلف بين سكان استراليا الاصليين والمهاجرين الذين كونوا الدولة الحديثة تحكمه قوانين يخضع لها الجميع ويحترمونها. «دار الاوبرا» معلم من معالم مدينة سيدني بل القارة الاسترالية كلها. صممها على شكل اصداف مفتوحة فنان ومهندس دانمركي يدعى «جورن اوكزون» وتقدم بها للمسابقة التي اعلنتها الحكومة الاسترالية لتصميم الدار عام 1956 ليفوز من بين تصاميم 233 مشتركا من 32 دولة. وقد قام بعد ذلك بتصميم مبنى مجلس الأمة الكويتي عام 1972 إلى جانب مبانٍ أخرى في أنحاء مختلفة من العالم. في شهر مارس من عام 1959 بدأت الاعمال الانشائية، وقد استغرق البناء اربعة عشر عاماً بتكلفة مقدارها 102 مليون دولار استرالي ليتم افتتاح الدار رسمياً في العشرين من اكتوبر عام 1973 بحضور الملكة اليزابيث الثانية ملكة بريطانيا. تقول كل من «كاث» مديرة العلاقات السياحية و «فيونا» منسقة التطوير السياحي في الدار وقد رافقتانا في جولة شملت مسارح الدار ومرافقها إنهم وهم على وشك الاحتفال بمرور ثلاثين عاماً على افتتاح الدار يفخرون بكم الفعاليات التي تشهدها والتي تزيد على ألفين و 500 فعالية في العام تشمل عروض الاوبرا والباليه والموسيقى والرقص الحديث والمسرحيات وفعاليات خاصة بالاطفال. و (عندما تنخفض درجة الحرارة في سيدني تصبح الاوبرا أدفأ مكان يمكن أن يلجأ إليه المرء) هكذا يقول المنشور الخاص بالدار. أما أهم ما استطاعت الدار أن ترسيه ـ والكلام لمرافقتينا ـ فهو تعويد الناس على احترام مواعيد العروض وارساء قواعد خاصة بالدار، فأبواب المسارح تغلق في موعد العرض المعلن عنه بالثانية، ودقيقة التأخير تحرم قاطع التذكرة من مشاهدة العرض حياً داخل القاعة ولا تتيح له سوى مشاهدته من خلال شاشات التلفزيون الموزعة في الخارج. اثنان من رؤساء الوزارات في استراليا حرما من مشاهدة العرض بسبب وصولهما متأخرين عن موعد بدء العروض وقد عادا أدراجهما! حادثتان تضرب بهما مرافقتانا المثل لتأكيد كلامهما، أما نحن فقد كنا نحتل مقاعدنا قبل ربع ساعة من موعد عرض باليه «إيليبس» بعد أن وصلتنا الرسالة كي لانتحول إلى شاشات التلفزيون، وقد كان كلامهما صحيحاً، أغلقت الابواب في السابعة والنصف بالثانية، وعندما بدأ العرض كان الصمت والسكينة يخيمان على القاعة حتى تصورنا أنه لو سقطت إبرة على الأرض لسمعنا صوت سقوطها رغم أن المسرح كان يغص يومها بالمتفرجين الذين شغلوا كل كراسي القاعة البالغ عددها ألف و 547 كرسياً .. ولا تسألني عن سر هذا العدد ولماذا لم يكن ألفا و 550 مثلاً؟ لأنه السؤال نفسه الذي وجهته لمرافقتينا فابتسمتا ولم تجيبا تاركتين المجال مفتوحاً للتخمين والاجتهاد .. أو ربما لكثرة ما وجه إليهما على مدى سنوات عملهما بالدار. بقي أن نسجل أن استراليا هي جنة «الكوالا» و «الكانغارو» إذ يحظى هذان الحيوانان في القارة الاسترالية بعناية فائقة يحسدهما عليها كثير من البشر في بقاع مختلفة من العالم. حيوان «الكوالا» الذي يمضي قرابة العشرين ساعة في اليوم نائما على غصن شجرة أصبح مهدداً اليوم بالانقراض، لذلك فإنه يعامل بحنان خاص يصل إلى درجة التدليل، الأمر الذي جعلنا نحن القادمين من عمق الصحراء مضطرين لمجاملة مضيفينا وإبداء الاهتمام نفسه الذي يولونه هذا الحيوان الوديع، ولأن لمس «الكوالا» وحمله فرصة لا تتوفر في جميع الاوقات والأماكن فقد سعى مرافقنا في «دريم وورلد» وكان شاباً لطيفاً يدعى «سكوت» إلى توفيرها لنا كي ننال هذا الشرف. ورغم أن زميليّ قد خرجا من هذه التجربة سعيدين يتأبطان الصور التي أخذت لهما وهما يحملان «الكوالا» الشهير إلا أن شعوري أنا كان مختلفاً لأنني خرجت من التجربة أحمل إلى جانب الصورة التاريخية قميصاً جديداً قدمته لي إدارة المتنزه مشكورة مع الاعتذار للحماقة التي أقدم عليها «الكوالا» الوديع وهو يحتفي بي وأنا أحمله، وحماقة ثانية ارتكبها حيوان آخر ـ لا أعرف نوعه حتى الآن ولا تهمني معرفته ـ في غرفة مظلمة .. دونما تقدير لآلاف الاميال التي قطعتها للوصول إليهما .. وكله يهون من أجل عيون «الكوالا» وأهل بلده الودودين الطيبين.