ان تكون ايرانيا وطنيا ثقافة وحضارة وصاحب انتماء حقيقي في النشأة والهوية يعني ان تكون مسالما ومعتدلا وصاحب، رأي وسطي يدعو الى المروءة مع الصديق والمداراة مع الخصم او العدو عملا بنصيحة او تعليمات الشاعر الشهيد حافظ الشيرازي. وان تكون ايرانيا ملتزما بالهوية الوطنية المعاصرة عقيدة وثقافة وسياسة وانتماء حقيقيا للموقع الجيواستراتيجي الذي تمثله ايران، يعني ان تكون بالضرورة مساندا للحق العربي الفلسطيني وتعمل بجد واجتهاد لنصرة اخيك المسلم في فلسطين من اجل استرداد حقه الثابت والمشروع في وطنه من سلطة الاغتصاب والاحتلال عملا بالحديث الشريف: «من اصبح ولم يهتم بأمور المسلمين ليس بمسلم» وكذلك عملا بتعليمات وتوجيهات زعيم الاصلاح الوطني الايراني المعاصر الامام الخميني الراحل الذي قال كلمته الشهيرة بعد ايام فقط من انتصار ثورته الوطنية والداخلية على نظام الاستبداد الشاهنشاهي «اليوم ايران وغداً فلسطين». ماذا يجرى حالياً في ايران على هذا الصعيد؟ ثم هل يعني هذا فيما يعني ان ايران اليوم تعيش مفارقة تاريخية واشكالية دبلوماسية ينبغي البحث عن حل مناسب لها؟ تجتاح النخبة الايرانية اليوم موجتان الاولى تقول بان علينا ان نعمل بجد لتنشيط سياستنا الخارجية القائلة بضرورة «نزع فتائل التوتر» بما يتناسب مع مصالحنا اليومية وتصحيح صورتنا لدى الخصم او الخصوم بما من شأنه ان يوفر لنا المقعد المناسب في المعادلة الدولية التي تتجه للتبلور في اطار نظام عالمي جديد بعد انتهاء الحرب العالمية الباردة. بلورة شعار جديد ومثل هذا التوجه دفع عملياً بجمع كبير من ابناء النخبة الملتفين حول راية «الاصلاح والتغيير» في البلاد إلى بلورة شعار جديد في العمل السياسي والدولي الايراني مفاده الدعوة إلى «التحالف من اجل السلام». وهو النشاط الذي تقوم به جماعة من نخبة المقربين من الرئاسة الايرانية ويعدون له في اطار مؤتمر دولي يعقد في طهران قريباً تحت العنوان الآنف الذكر. بالمقابل او في هذه الاثناء فإن الموجة الثانية التي تتجدد عملياً مع كل يوم يمر على تصاعد حدة النضال الفلسطيني وتفاقم حدة «النزاع العربي الاسرائيلي» والازمة في الشرق الاوسط عموماً، وهي الموجة التي تدعو الايرانيين إلى اعادة تفعيل دورهم كقوة اسلامية عظمى في المنطقة استطاعت ان تنتقل بفعل الثورة الاسلامية عام 1979 من معسكر العدو الامبريالي إلى معسكر الشعوب، بما يؤدي إلى دعم حقيقي وفعلي للنضال الفلسطيني عموماً والانتفاضة الفلسطينية بشكل خاص. وهو ما يتبلور عبر جماعات متعددة من بينها نخبة اخرى من المقربين من الرئاسة الايرانية ايضاً بالاضافة إلى أطياف اخرى مقربة من القيادة الدينية العليا، والتي تعد في هذه الايام بالذات لمؤتمر جديد يضاف إلى مؤتمرات سابقة في هذا السياق عنوانه «الامام وفلسطين» وشعاره «اسرائيل نظام عنصري يجب ان يزول من خريطة انظمة الشرق الاوسط». رأيان متناقضان عندما سئل احد اساتذة الجامعة والذي كان يحاضر في مركز الدراسات السياسية والدولية التابع للخارجية الايرانية قبل ايام عن وجه المفارقة التي يمثلها ما يدعو اليه من «تحالف من اجل السلام» وما يدعو اليه آخرون من اقرانه الى «تحالف من اجل دعم الانتفاضة الفلسطينية» وما اذا كان ذلك يشكل نوعاً من «التناقض» في السياسة الخارجية للبلاد اجاب بلغة حافظ الشيرازي «المتسامحة» قائلا: «بالتأكيد لا، فالذين يدعون للسلام يريدون اصلاح العالم وتخليصه من فتائل التوتر والانفجار والتي عادة ما تقود الى حروب شنيعة ممقوتة، والذين يدعون الى دعم الانتفاضة يريدون ايضا بدورهم اصلاح العالم وتخليصه من اوجه الظلم المتعددة القائمة في العالم وفي المنطقة وتاليا ارساء العدالة الانسانية المطلوبة». وعندما توسع النقاش وبدأ شرح بعض الاساتذة لمقولة «التحالف من اجل السلام» يتطرق الى تفصيلات من نوع الاستفادة من دروس التاريخ البعيد والقريب وبدأ الاستشهاد بصلح الحديبية وصلح الامام الحسن ونماذج تاريخية اخرى اكثر معاصرة وهو ما يعني بالنسبة الى اصحاب الدعوة «السلامية» الى امكانية عقد «سلام» ما مع الكفار والعدو الاستراتيجي للامة سواء من اجل «أخذ النفس» المطلوب او «لضرورات استراتيجية» تتعلق بموازين القوى او ما شابه، بل انه من غير الممكن احياناً النجاح في المهمة إلا بمشاركة قوى دولية فاعلة بمن فيها الخصم أو العدو الرئيسي مثل الولايات المتحدة الاميركية اليوم، كما ذهب احد الاساتذة في تحليله فما كان من احد قادة «حزب الله الايراني» المعروف وهو حسين الله كرم الذي كان يستمع الى المحاضرات بدقة وسجل ملاحظاته على الورق بصبر ومثابرة إلا انه قال متسائلاً ومستغرباً: «ألا يعني مثل هذا القول رفع الراية البيضاء امام العدو والتسليم بشروطه»؟ وجاءه رد الاستاذ الجامعي المخضرم السيد قاسم قاسم زادة: «ان الدعوة للتحالف من اجل السلام لا تعني بالضرورة الدعوة من اجل الاستسلام مطلقا». شارحا وبشكل مطول السلام من وجهة نظر المسلمين عبر التاريخ مقابل السلام المزيف والمزعوم الذي تتشدق به اسرائيل وحماتها الدوليون. منعطف تاريخي ايا تكن قوة البراهين والادلة والتبريرات التي يستند اليها اصحاب الموجة الأولى أو دعاة الموجة الثانية. فان القدر المتيقن هو ان هناك مفارقة ترتسم في الافق السياسي الايراني وان النخبة الايرانية تعيش منعطفا تاريخيا هاما، وهي مطالبة اكثر من أي وقت مضى لتحديد مواقفها بدقة اكثر وعدم البقاء «سابحة» في فضاء الدبلوماسية ظنا منها ان السباحة في العمل الدبلوماسي تشبه السباحة في العمل الفكري والثقافي! فالعالم الصديق والعدو ـ لا فرق ـ يتعامل مع المرء بناء على نتائج اعماله وممارساته السياسية والدبلوماسية، وليس على نواياه حسنة كانت أو سيئة! من هنا فان الشعار الذي يفضله البعض من ابناء النخبة الايرانية من جماعة «الوسط» اذا جاز التعبير هو «التحالف من اجل العدالة» وهو تحالف ينبغي ان ينشأ مع كل محبي السلم وبمفهومه العادل والشامل والذي يقع للمظلومين والمضطهدين الرازحين تحت الاحتلال ويضمن لهم حقهم المشروع في المقاومة واسترداد الحقوق. وهو تحالف عملي وممكن بالمناسبة ولدينا سابقة معاصرة كادت ان تنجح لولا ضعف البعض منا وتآمر الصهيونية عليه في دوربان في جنوب افريقيا وبالمناسبة فان البعض لا يزال يشكك وينظر بقلق بالغ الى حوادث 11 سبتمبر التي ربما ساهمت بنظرة في الاطاحة بذلك التحالف وهو ما استغلته الصهيونية العالمية وحاولت ولا تزال قلب المعادلة التي كانت في طريقها الى التبلور من الصهيونية = العنصرية الى الاسلام = الارهاب!! في اطار تحالف مشبوه من اجل الحرب باسم مكافحة الارهاب!! المطلوب بالحاح رسم طريق ثالث يخرج العالم من معادلة (بوش ـ بن لادن) المتفقان رغم عداونهما على تقسيم العالم الى فسطاطين! واجبار الجميع اما ان يكونوا معهم أو ضدهم في حربهم المفتوحة على الانسانية. ـ كاتب ومحلل سياسي ايراني