الأوروبيون سعداء بالدور الذي مارسوه في فك الحصار عن كنيسة المهد. وذهب وزير خارجية اسبانيا، الدولة المناوبة في رئاسة الاتحاد الأوروبي، الى أنه «لولا المشاركة الأوروبية، لكانت القوات الاسرائيلية لا تزال تحاصر بيت لحم ومقر الرئيس ياسر عرفات في رام الله».. وفي موقفهم هذا الذي يفخرون به، لا يأبه الأوروبيون بالأسلوب الذي ساهموا من خلاله بحل الأزمة، وقوامه الأساسي الانصياع للشروط الاسرائيلية ومخالفة شرعة حقوق الانسان. لا نعتقد أن قوى دولية بحجم أعضاء الاتحاد الأوروبي كانت مجبرة على هذا الخيار، فقد أملت اسرائيل ارادتها عليهم، شأنهم في ذلك شأن القيادة الفلسطينية. واذا كانت هذه الأخيرة في موضع وموقع لم يمكنها جدلا من مقاومة ضغوط ألة الحرب الاسرائيلية الغاشمة، فإن الأوروبيين كانوا وما يزالون قادرين على لي ذراع شريكهم الاسرائيلي اقتصاديا وسياسيا وفضحه حقوقيا. وهم فعلوا ذلك مع قوى أخرى بذرائع أقل حساسية مقارنة بجرائم اسرائيل. حين سئل الوزير الأسباني جوزيب بيكيه عن هوية المبعدين الذين سوف تستضيف بلاده ثلاثة منهم، أجاب بنزاهة تحسب له «إنهم ليسوا إرهابيين». ولكن ما دام هذا التوصيف صحيحاً، ألم يكن من الأوفق حقوقيا وأخلاقيا ألا يشارك الاوروبيون في جريمة ابعادهم عن الوطن؟ لقد دخلت العواصم الأوروبية في جدل معمق حول عدد المبعدين الذين يمكن استقبالهم هنا وهناك في رحاب القارة القديمة، وحول طبيعة الضيافة المسموح بها لهم، وحول حدود حركتهم وحقوقهم واحتمالات تعرضهم لأخطار الملاحقة الاسرائيلية، وكيفية توفير الحماية لهم، والمدى الزمني الذي سيمكثونه في هذه الرحلة الاجبارية.. ولكن لعله من المخجل ألا يتطرق المسئولون الأوروبيون الى ما هو أكثر عمقا وجدوى، وهو مبدأ الابعاد ذاته. السؤال الجوهري الذي تطرحه قضية مبعدي كنيسة المهد يتعلق بالموقف الحقوقي الناجم عن التصرف الاسرائيلي، وليس بتداعيات الاستجابة لهذا التصرف فقط، حقا رفضت عواصم أوروبية استضافة أحد من المبعدين الثلاثة عشر، بيد أن ذلك لم يكن عن صلابة ضد عملية الإبعاد أو دفاعا عن حق الحياة الكريمة في الوطن أو حتى ضرورة المحاكمة العادلة، وإنما تأتي من مخاوف وهواجس لا صلة لها بهذه الزوايا القانونية أو الأخلاقية. ومن آيات هذا التفسير، أن واحدة من هذه العواصم لم تنبس ببنت شفة احتجاجا على السياسة الاسرائيلية التي أفرزت ظاهرة الابعاد وأصدرت هذه الزوايا بكل صلافة، وكان الاحتجاج أضعف الايمان. سيقول البعض أنه ما كان للأوروبيين أن يتحمسوا أو يستنفروا ضد السياسة الاسرائيلية تجاه أزمة الكنيسة، والحل البغيض الذي انتهت اليه، خلافا للقيادة الفلسطينية التي أقرت هذا الحل. وهذا قول يبدو منطقيا من الناحية الشكلية فقط، غير أنه معيب في مغزاه، ذلك أن المحددات الحاكمة للقرار الفلسطيني في معمعة الأزمة لا تنطبق على الطرف الأوروبي، ثم أن اتخاذ الطرف الفلسطيني لقرار خاطئ جدلا أو لا يتسق وسوية شرعة حقوق الانسان، لا يبرر للأوروبيين السير على الطريق ذاته، ولو كان لكل نظام حاكم أن يكيف سياسته تجاه هذه الشرعة بحسب أهوائه وذرائعه، لما حق لأحد من العالمين الاعتراض على سياسة أي نظام، مهما بلغت من العسف والتجاوز الحقوقي. على كل حال، تناظر الأوروبيون بشأن الاعراض التي تخلفت عن السياسة الاسرائيلية والقرار الفلسطيني، وأهملوا المرض الذي أوجب هذه الأعراض. وما هكذا تكون المعالجة المأمونة لقضية بهذه الخطورة. لقد أوقفوا قضية الإبعاد على رأسها بدلا من تقعيدها على قدميها، وكان مبعوثهم ميغيل موراتينوس في موقف يدعو للأسى وهو يقوم بدور العراب في توزيع المبعدين على بلاد الاتحاد، ويعمل على طمأنة المتابعين الى أنه حصل على ضمانات بعدم تعرض اسرائيل لهم أو ملاحقتهم في منافيهم. وكأن اسرائيل من الدول نظيفة السجل والطرف التي تفي بالتزاماتها ويمكن الوثوق بكلماتها! غاب عن موراتينوس وبقية المعنيين أن للملاحقة معان ومضامين غير فكرة المتابعة القضائية. كما نسى أن للصهيونية أذرعها الطويلة في أوروبا، وأن توزيع المبعدين هناك يسهل الوصول اليهم بطرق استخبارية قذرة، لطالما احترفتها اسرائيل وعملاؤها. إن أحد الأسئلة التي ستبقى موضع تأمل في ملف هذه القضية يدور حول ما اذا كانت السياسة الفلسطينية قد أسست لسابقة في سياق التعامل بأثر رجعي ومستقبلي بشأن الإبعاد. يتعين مواجهة هذا التساؤل بكل شجاعة. ومن مقتضيات مراجعة كهذه أن يجري الكشف عن الحيثيات التفصيلية التي صاحبت المفاوضات الخاصة بهذه السابقة. فلم يعرف حتى الآن الفارق بين الطرح الذي تعاملت به لجنة صلاح التعمري معها وذلك الذي انتهت اليه على يد آخرين، تفاوضوا حولها خفية»؟.. ولم يعرف حتى الآن لماذا كان الابعاد الى أوروبا بالذات؟ لاشك أن مكاشفة بهذا الخصوص ستكون مفيدة بالنسبة لمصير هؤلاء المبعدين بقدر الفائدة من دلالات القضية على صعيد التعامل مع سوابقها ولواحقها. ترى هل ستتم معالجة أي عملية اسرائيلية مشابهة بالمقاربة ذاتها؟ هل تساءل الأوروبيون: ماذا لو كررت اسرائيل فعلتها مع آخرين، علما بأن كل مقاوم فلسطيني مرشح لمثل هذا الاجراء؟.. أيمكن لأوروبا أن تكرر بدورها الموقف الذي اتخذته مع مبعدي كنيسة المهد؟ لأجل هذه الأسئلة ونحوها، لا ينبغي اغلاق ملف هذه السابقة، فلسطينيا كما أوروبا بمجرد توزيع المبعدين، بل لابد من إعادة النظر في هذا الملف بشكل موسع وشفاف. وبالنسبة للأوروبيين فإن وقت استدراك الخطأ لم يفت بعد، هم يستطيعون ابلاغ الاسرائيليين بأن سياستهم الاتحادية تجافي وتجرم ابعاد الفلسطينيين من وطنهم.. وأن تعاطيهم مع مبعدي الكنيسة لا يعبر عن مخالفة لمبدأ عدم جواز هذا الاجراء اللاقانوني واللاأخلاقي، وإنما كان عن ضرورة مؤقتة لا يمكن اعتبارها سياسة ثابتة.. وأن الأخذ بالمقاييس الاسرائيلية حول الارهاب والارهابيين لا أساس له من المنطق والقانون. وليس بعد هذا الطرح سوى أن يجتهد الأوروبيون لضمان حق العودة لهؤلاء المبعدين وليس في تسهيل إبعادهم عن وطنهم. عندئذ فقط سوف نشاطرهم السرور بدورهم في هذه القضية. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة